لا سيادة بسلاحين : لماذا يحتاج لبنان إلى استعادة قرار الحرب والسلم
الدولة التي لا تحتكر القرار العسكري لا تستطيع ممارسة سيادتها بصورة مكتملة، مهما امتلكت من مؤسسات دستورية. لكن هذا المبدأ لا يمنح إسرائيل حق انتهاك الأراضي اللبنانية أو استهداف المدنيين، كما لا يجعل الاعتداءات الإسرائيلية مبرراً دائماً لوجود قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة...
خاص بوابة بيروت
لم تعد قضية سلاح حزب الله في لبنان مجرد خلاف سياسي بين مؤيدي ما يسمى بـ “محور المقاومة” المدعوم من إيران ومعارضيهم المطالبين بتحرير الدولة اللبنانية من الهيمنة الإيرانية، بل تحولت إلى إشكالية دستورية تمس جوهر الدولة وسيادتها، وتطرح سؤالاً أساسياً: من يمتلك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه أمام الشعب اللبناني؟
فالدولة التي لا تحتكر القرار العسكري لا تستطيع ممارسة سيادتها بصورة مكتملة، مهما امتلكت من مؤسسات دستورية. لكن هذا المبدأ لا يمنح إسرائيل حق انتهاك الأراضي اللبنانية أو استهداف المدنيين، كما لا يجعل الاعتداءات الإسرائيلية مبرراً دائماً لوجود قوة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة.
وقد أعادت تطورات عام 2026 هذه الإشكالية إلى الواجهة، بعدما دخل حزب الله مواجهة جديدة مع إسرائيل في مارس/آذار، عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. وتبع ذلك تصعيد عسكري إسرائيلي واسع، قبل التوصل في يونيو/حزيران إلى إطار تفاهم يتناول نزع سلاح الحزب تدريجياً والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وسط خلافات عميقة بشأن التنفيذ.
سيادة الدولة بين الدستور والسلاح
يحدد الدستور اللبناني بوضوح الجهة المخولة اتخاذ القرارات المصيرية. فالمادة 65 تمنح مجلس الوزراء سلطة وضع السياسة العامة للدولة، وتجعل قرار الحرب والسلم من المسائل الأساسية التي تتطلب موافقة ثلثي أعضاء الحكومة المحدد عددهم في مرسوم تشكيلها.
وبالتالي، فإن امتلاك تنظيم سياسي قوة عسكرية تستطيع فتح جبهات قتالية خارج قرار المؤسسات الدستورية يخلق تعارضاً جوهرياً مع مفهوم السيادة، حتى لو كان التنظيم ممثلاً في البرلمان أو مشاركاً في الحكومة.
وتؤكد قرارات مجلس الأمن هذا المبدأ. فالقرار 1559 الصادر عام 2004 دعا إلى حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، فيما أعاد القرار 1680 لعام 2006 تأكيد هذا المطلب. أما القرار 1701، الصادر في 11 أغسطس/آب 2006، فنص على ترتيبات أمنية تضمن خلو المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني من أي أسلحة أو قوات مسلحة غير تابعة للحكومة اللبنانية واليونيفيل.
ولا يقتصر القرار 1701 على سلاح حزب الله، بل يشمل أيضاً وقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية. وقد جدد القرار 2790 الصادر في أغسطس/آب 2025 التأكيد على حصرية السلاح والسلطة بيد الدولة، ودعا إسرائيل إلى الانسحاب من المواقع التي تحتفظ بها داخل لبنان.
وفي آب 2025، كلفت الحكومة اللبنانية الجيش إعداد خطة لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، لكن حزب الله رفض القرار، معتبراً أنه يخدم المصالح الإسرائيلية. وهنا تتجسد الأزمة الدستورية: كيف تستطيع حكومة ممارسة صلاحياتها إذا كانت قراراتها العسكرية والأمنية خاضعة لموافقة تنظيم يمتلك قوة مسلحة مستقلة عنها؟
حزب الله وإيران… القرار العسكري خارج الحدود
لا يمكن فصل هذه الإشكالية عن علاقة حزب الله بإيران، وهي علاقة سياسية وعسكرية موثقة، شملت الدعم والتسليح والتنسيق الاستراتيجي. كما شارك الحزب عسكرياً في الحرب السورية دعماً لنظام الديكتاتور بشار الأسد، متجاوزاً بذلك الحدود اللبنانية إلى نزاع إقليمي لم يصدر قرار دستوري لبناني بالمشاركة فيه.
وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعلن حزب الله استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية في مزارع شبعا، تضامناً مع الفلسطينيين عقب اندلاع حرب غزة. ثم تطورت المواجهات الحدودية إلى حرب واسعة خلال عام 2024، تحمل لبنان جانباً كبيراً من نتائجها الإنسانية والاقتصادية.
وبرر الحزب فتح الجبهة بضرورة إسناد غزة ومواجهة إسرائيل، بينما تبرز من منظور الدولة مسألة مختلفة: هل يحق لتنظيم مسلح أن يربط أمن لبنان بحرب إقليمية دون موافقة المؤسسات المختصة؟
وتكرر السؤال في مارس/آذار 2026، عندما شن الحزب هجمات على إسرائيل في سياق التصعيد العسكري ضد إيران. و هذا الترابط هو إثبات دامغ بأن طهران أصدرت أمراً مباشراً بتنفيذ الهجمات، وهذا يثير تساؤلاً مشروعاً حول استقلالية القرار العسكري للحزب ومدى ارتباطه بالأولويات الاستراتيجية الإيرانية.
وفي المقابل، يستند حزب الله في دفاعه عن سلاحه إلى تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، واستمرار الاعتداءات والخلافات الحدودية، وضعف قدرات الدولة الدفاعية. وهي اعتبارات أمنية تستحق المعالجة، لكنها لا تمنح أي تنظيم حقاً دائماً في اتخاذ قرارات الحرب والسلم بصورة مستقلة عن الدولة.
أما من الناحية الدولية، فتختلف التصنيفات القانونية للحزب. فالولايات المتحدة تصنف حزب الله بكامله منظمة إرهابية أجنبية منذ عام 1997، والمملكة المتحدة تحظر التنظيم بأكمله، بينما يدرج الاتحاد الأوروبي جناحه العسكري على قائمة الإرهاب. ودول أخرى في أمريكا اللاتينية صنفت الحزب بالتنظيم الإرهابي نتيجة أعماله العسكرية التي أصبحت عابرة للحدود بل والقارات.
العمليات الإسرائيلية… انتهاكات تخضع للمساءلة
إن المطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية لا تعني تبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية، فالمادة الثانية، الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، بينما تقيد المادة 51 ممارسة الدفاع عن النفس بشروط القانون الدولي.
وتبرر إسرائيل عملياتها بضرورة حماية سكان شمال البلاد ومنع حزب الله من تنفيذ هجمات عبر الحدود. غير أن الاعتبارات الأمنية لا تمنحها حقاً مطلقاً في استخدام القوة أو البقاء العسكري داخل الأراضي اللبنانية، ولا تعفي قواتها من الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
وقد وثقت منظمات حقوقية انتهاكات خطيرة خلال العمليات الإسرائيلية. ففي تقريرها العالمي لعام 2025، نقلت منظمة هيومن رايتس ووتش عن وزارة الصحة اللبنانية مقتل أكثر من 3961 شخصاً بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ووقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بينهم 248 طفلاً و222 من العاملين في القطاع الصحي والإنقاذ.
وفي تحقيق نشرته المنظمة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، اعتبرت أن ثلاث هجمات إسرائيلية استهدفت عاملين ومرافق طبية تضمنت جرائم حرب محتملة، بعدما وثقت مقتل 14 مسعفاً، دون العثور على أدلة تبرر فقدان المنشآت المستهدفة حمايتها القانونية.
كما كشفت منظمة العفو الدولية في آب 2025 عن تدمير واسع للممتلكات المدنية في جنوب لبنان، شمل أكثر من عشرة آلاف مبنى تضررت أو دُمرت بصورة جسيمة ضمن نطاق تحقيقها. وأشارت إلى عمليات هدم باستخدام المتفجرات والجرافات في مناطق كانت القوات الإسرائيلية تسيطر عليها، ودعت إلى التحقيق في بعض الوقائع باعتبارها جرائم حرب محتملة.
وفي المقابل، قالت إسرائيل إن بعض المباني المستهدفة استُخدمت لأغراض عسكرية أو لإخفاء أسلحة وأنفاق. لكن هذه المبررات تحتاج إلى إثبات في كل حالة، ولا تجعل تدمير الأحياء السكنية مشروعاً بصورة تلقائية.
وتفرض قواعد القانون الدولي الإنساني التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. كما تحظر الهجمات العشوائية والهجمات التي يُتوقع أن تتسبب بخسائر مدنية مفرطة قياساً إلى الميزة العسكرية المباشرة والملموسة المتوقعة.
وترد هذه المبادئ في المواد 48 و51 و52 و57 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، وهي أيضاً جزء من القواعد العرفية الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
ولا يعني سقوط مدنيين أن كل ضربة تشكل تلقائياً جريمة حرب، لكن استهداف المدنيين عمداً أو شن هجمات عشوائية أو غير متناسبة قد يرتب مسؤولية جنائية فردية عندما تتوافر عناصر الجريمة والأدلة اللازمة.
وينطبق المعيار نفسه على حزب الله، الذي عليه أن يلتزم بعدم استهداف المدنيين الإسرائيليين أو استخدام وسائل قتال عشوائية. فلا يجوز لأي طرف تبرير مخالفة القانون الدولي الإنساني بانتهاكات الطرف الآخر.
استعادة السيادة دون حرب داخلية
لا يمكن معالجة ازدواجية السلاح في لبنان بمجرد إصدار قرار حكومي، ولا بمواجهة عسكرية داخلية قد تهدد السلم الأهلي. المطلوب استراتيجية دفاع وطني واضحة، تنقل القرار العسكري بصورة تدريجية وقابلة للتحقق إلى المؤسسات الشرعية، وتحدد مصير الأسلحة والعناصر المسلحة وفق القانون.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يترافق ذلك مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ووقف العمليات المخالفة للقانون الدولي، وضمان عودة النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة، وفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية مع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل في ديسمبر/كانون الأول 2026، وفق القرار 2790، الأمر الذي يستدعي ترتيبات دولية فعالة لمراقبة الالتزامات الأمنية ودعم الجيش اللبناني ومنع تجدد المواجهات.
إن استعادة السيادة تتطلب أيضاً تعزيز قدرات الجيش والأجهزة الرسمية، وتطوير سياسة دفاعية تخضع للمساءلة البرلمانية والحكومية، وتمنع استخدام الأراضي اللبنانية في صراعات إقليمية دون قرار دستوري.
ولا يجوز أن يصبح الخوف من الاعتداءات الإسرائيلية مبرراً لإبقاء القرار العسكري خارج الدولة، كما لا يجوز أن تتحول المطالبة بنزع سلاح حزب الله إلى غطاء لاستمرار العمليات الإسرائيلية أو فرض مناطق عازلة داخل لبنان.
فلبنان لا يحتاج إلى الاختيار بين سلاح خارج الدولة وعدوان خارجي، بل يحتاج إلى دولة تمتلك قرارها العسكري وتحمي أراضيها ومواطنيها بالقانون والمؤسسات.
والسيادة الحقيقية لا تتحقق بمجرد نزع سلاح تنظيم مسلح، ولا بمجرد انسحاب جيش أجنبي، بل باجتماع الأمرين ضمن مشروع وطني يعيد للدولة سلطتها الكاملة، ويضمن خضوع جميع القوى المسلحة لقيادة شرعية واحدة.
فلا سيادة مكتملة بجيشين وقرارين للحرب، ولا سيادة حقيقية تحت تهديد الاحتلال والقصف. الدولة وحدها يجب أن تقرر الحرب والسلم، والقانون وحده يجب أن يحكم استخدام القوة، وحماية المدنيين يجب أن تبقى فوق الحسابات العسكرية والسياسية.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير