من يوقف سرقة الناس بالخوف؟ احتيال بأسماء الأمن والقانون… والدولة مطالَبة بالتحرّك

أوقفوا الاستعجال. تحقّقوا بأنفسكم عبر القنوات الرسمية. لا تحوّلوا المال تحت التهديد أو إغراء الفرصة، ولا تشاركوا رموز التحقّق وكلمات المرور. احتفظوا بالرسائل والإيصالات والتفاصيل، وأبلغوا الجهات المختصّة. وقد وجّهت قوى الأمن المواطنين إلى استخدام خدمة «بلّغ» على موقعها أو التواصل مع أقرب مركز أمني للإبلاغ عن محاولات احتيال مماثلة...

خاص بوابة بيروت

كم يحتاج المواطن اللبناني من خوف إضافي؟ وكم مرّة عليه أن يدفع ثمن ثقته، وحاجته، ورغبته في أن يعيش يومًا طبيعيًا؟

اتصال يهدّده بالتوقيف، ومشترٍ يوهمه بشراء منزله، وقرض يستدرجه إلى تحويل المال، ورحلة سياحية تنتهي قبل أن تبدأ. أربع روايات مختلفة، يجمعها استغلال الناس وانتزاع أموالهم بالخديعة. بعضها تعرّضنا له شخصيًا، وبعضها نقله إليّ أشخاص أعرفهم. أضعها اليوم أمام الرأي العام والجهات المعنية، لأنّ التحذير واجب، والمتابعة والمحاسبة حقّ.

بدأت إحدى هذه المحاولات باتصال وصلني من رقم مخفي «No Caller ID». قدّم المتصل نفسه بصفة أمنية، وادّعى أنّ رقم هاتفي الذي سبق أن تعرّض للاختراق تستخدمه عصابة مخدرات أُوقف أفراد منها. ثم انتقل إلى التهديد: كان عليكِ تقديم شكوى وإجراء ما سمّاه «براءة ذمّة»، وإلّا ستصل دورية إلى منزلك لأخذك إلى التحقيق.

وضع لي مهلة تنتهي عند الثالثة والنصف، ثم أحالني إلى امرأة قدّمت نفسها كمحامية موجودة في المكتب، لتكرّر الرواية وتعرض «المساعدة». هكذا يُبنى الفخ: تهمة خطيرة، وصفة رسمية مزعومة، ووقت ضيّق يمنع التفكير.

توقّفت عن متابعة الحديث، واتصلت بنفسي بالمخفر وأمن الدولة. وبحسب ما أُبلغت به، هناك محاولات مشابهة يُطلب فيها من الناس دفع مبالغ مقابل تسوية مزعومة تمنع توقيفهم. وذُكر لي أنّ الاتصالات المماثلة تجاوزت الألف. أنقل ذلك باعتباره معلومة قيلت لي خلال التواصل، لا إحصاءً رسميًا منشورًا. وهنا يبدأ السؤال للدولة: ما الأرقام الفعلية؟ وكم بلاغًا جرى التحقيق فيه؟ وما النتائج؟

وقد حذّرت قوى الأمن الداخلي، في بلاغ بتاريخ ٢٢ حزيران ٢٠٢٥، من محتالين ينتحلون صفات، بينها صفة ضبّاط، ويطلبون تسويات مالية عاجلة لمخالفات مزعومة. هذا التحذير يؤكّد وجود أسلوب مشابه، أمّا تفاصيل ما جرى معي فهي شهادة تستحقّ المتابعة.

وفي سوق العقارات، تصل الخديعة من باب الأمل ببيع البيت. بحسب واقعة نقلها إليّ أشخاص أعرفهم، تواصل شخص مع صاحب شقة معروضة للبيع على فيسبوك، وأبدى استعداده لشرائها، وطلب رقم العقار للاستعلام عنه. بعد يومين، عاد ليقول إنّ على الشقة مخالفة، وإنّ «محاميه» يستطيع إزالتها مقابل تسعمئة دولار.

يقترح صاحب الشقة اقتطاع المبلغ من ثمن البيع، فيرفض «المشتري» ويصرّ على تحويله مسبقًا. يصبح الخوف من خسارة الصفقة أداة ضغط، ثم يُؤخذ المال ولا تتمّ البيعة، بحسب الرواية المنقولة.

من يحمي صاحب البيت من شخص يستعمل تفاصيل عقاره لإقناعه بمخالفة مزعومة؟ ومن يلاحق المستفيد من التحويل؟ معرفة رقم العقار لا تمنح أحدًا صدقية، وأيّ مطالبة مالية تحتاج إلى تحقّق مستقلّ ومستندات ومرجع واضح.

وفي واقعة أخرى نقلتها إليّ صديقة، قدّم متصلون أنفسهم باعتبارهم من خدمة زبائن «ويش»، وعرضوا قروضًا تبدأ من ألف دولار وتصل إلى عشرة آلاف أو عشرين ألفًا. الشرط: تحويل مئتي دولار أولًا بحجّة الرسوم. وبحسب روايتها، ضاع المبلغ ولم يظهر القرض.

نذكر «ويش» هنا لأنّ المتصلين ادّعوا تمثيلها، من دون أن يثبت ذلك أيّ صلة لهم بالشركة. وقد وثّقت «سمكس» محاولات لانتحال خدمة زبائنها، ودعت إلى التحقّق عبر القنوات الرسمية وعدم مشاركة رموز التحقّق والمعلومات المالية.

حتى الرغبة في السفر تحوّلت إلى مدخل للاحتيال. شاهدنا إعلانًا على فيسبوك لرحلة إلى مصر مقابل ٣٥٠ دولارًا، مع إقامة في فندق وصفه الإعلان بأنّه «سبع نجوم». قدّمت الجهة المعلنة نفسها كمكتب سفريات في زحلة، وطلبت منّا إرسال المال عبر تطبيق غير معروف لنا.

تحقّقنا قبل الدفع، وتبيّن لنا أنّ المكتب المزعوم غير موجود، وأنّه لا يوجد حجز فعلي للرحلة التي كنّا ننوي شراءها. لم ندفع، ولم نخسر المال. لكن كان يمكن أن نصل إلى المطار حاملين حقائبنا، لنكتشف أنّ الحجز الذي وثقنا به غير موجود.

أين الرقابة على هذه الإعلانات؟ وكيف يستطيع شخص أن يقدّم نفسه كمكتب سفر ويطلب تحويلات من الناس؟ هذه أسئلة نوجّهها إلى وزارة السياحة والجهات الأمنية المعنية والمنصّات التي تنشر الإعلانات.

الجامع بين هذه الوقائع هو تحويل الخوف والحاجة إلى وسيلة للكسب: خوف الإنسان على سمعته، وحاجته إلى بيع بيته، وانتظاره قرضًا، وثقته بعرض سفر. ومن الظلم أن ينتهي النقاش عند لوم الضحية وسؤالها: «كيف صدّقت؟». المطلوب تشجيعها على الإبلاغ، وحفظ أدلّتها، وملاحقة من استدرجها.

إلى وزارة الداخلية، ووزارة السياحة، وقوى الأمن الداخلي، والأجهزة الأمنية المعنية، والنيابات العامة: نطالب بتحقيقات جدّية في هذه الوقائع. نطالب بربط الملفات المتشابهة حيث تسمح القرائن، وتتبع وسائل الاتصال ومسارات الأموال والحسابات المستفيدة وفق الأصول، وملاحقة كلّ من يثبت تورّطه.

ونطالب بآلية واضحة يعرف المشتكي من خلالها أين أصبح ملفّه، وبحصيلة دورية تعلن أعداد الشكاوى والإحالات والتوقيفات، ضمن ما تسمح به سرّية التحقيق وحقوق الأشخاص. كما نطالب شركات التحويل والاتصالات والمنصّات الرقمية بتعاون سريع وفعّال مع الجهات المختصّة، وحفظ الأدلة، ومعالجة البلاغات المتعلقة بالحسابات والإعلانات المشتبه فيها.

البلاغات الرسمية المنشورة تُظهر وجود تحذيرات وجهود أمنية. لكنّ الناس تحتاج أيضًا إلى معرفة نتائج المتابعة. غياب الأخبار عن ملفّ لا يثبت إهماله، إنّما يترك صاحبه معلّقًا بين القلق والانتظار.

ولكلّ من يتلقّى اتصالًا مشابهًا: أوقفوا الاستعجال. تحقّقوا بأنفسكم عبر القنوات الرسمية. لا تحوّلوا المال تحت التهديد أو إغراء الفرصة، ولا تشاركوا رموز التحقّق وكلمات المرور. احتفظوا بالرسائل والإيصالات والتفاصيل، وأبلغوا الجهات المختصّة. وقد وجّهت قوى الأمن المواطنين إلى استخدام خدمة «بلّغ» على موقعها أو التواصل مع أقرب مركز أمني للإبلاغ عن محاولات احتيال مماثلة.

لن نقبل أن يصبح خوف الناس سوقًا مفتوحة، وأن يتحوّل اسم الدولة إلى أداة لابتزازهم. من حقّ المواطن أن يبيع بيته، ويطلب تمويلًا، ويحجز رحلة، ويردّ على هاتفه بأمان.

ومن ينتحل اسم الدولة لتهديد الناس، يجب أن يجد الدولة أمامه: تحقّق، وتلاحق، وتوقف من يثبت تورّطه، وتحيله إلى القضاء. هذا هو الردع الذي نطالب به، وهذه هي الحماية التي يستحقّها الناس.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك