جمهورية الـ15 ثانية” كيف كشفت منصات التواصل أزمة الوعي في لبنان؟
في بلد كان يُعرف يومًا بأنه «مطبعة الشرق» ومنارة الفكر والثقافة، يعيش لبنان اليوم واحدة من أخطر أزماته غير المرئية: أزمة الوعي. الخطر الحقيقي لا يتمثل في استخدام التكنولوجيا بحد ذاته، بل في الانتقال التدريجي من عقل مستقل يقرأ ويحلل ويتحقق ويشكك، إلى عقل يكتفي بجرعات معرفية سريعة لا تتجاوز ثواني معدودة...
خاص بوابة بيروت
المنصة مرآة للأزمة: المشكلة أعمق من التطبيق
تكمن المفارقة في أن كثيرين يتعاملون مع المنصات الرقمية وكأنها أصل الأزمة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فالتطبيقات لم تصنع الجهل من العدم، بقدر ما كشفت حجمًا من الهشاشة المعرفية والثقافية تراكم عبر سنوات طويلة من تراجع القراءة والتعليم النقدي. لقد منحت التكنولوجيا كاميرا وميكروفونًا لكل شخص، فخرج إلى العلن ما كان مخفيًا: مجتمعات تتلقى المعرفة عبر اللقطة البصرية المختصرة، وتستهلك الرأي بسرعة قد تفوق سرعتها في استهلاك المعلومة نفسها.
لكن المنصات ليست مرآة محايدة تمامًا. فهي لا تكتفي بكشف نقاط الضعف القائمة، بل قد تضخمها أيضًا، وتمنح بعض أنماط التعبير قدرة أكبر على الانتشار والتأثير من غيرها. لذلك، فإن حجب التطبيقات أو شيطنة التكنولوجيا لا يعالج أصل المشكلة، بل قد يخفي أعراضها مؤقتًا. فالمشكلة لا تكمن في وجود المنصة وحده، بل في البيئة الثقافية التي تدخل إليها، وفي الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها، وفي النظام الذي يحدد ما الذي يلفت الانتباه وما الذي يختفي في الهامش.
اقتصاد الانتباه: حين تصبح العاطفة سلعة
لا ترتبط المشكلة فقط بسلوك المستخدمين، بل أيضًا بطبيعة النموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه المنصات الرقمية. فهذه التطبيقات تعمل ضمن ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث يتحول وقت الناس وأعينهم وانفعالاتهم إلى قيمة اقتصادية تُستثمر في سوق الإعلانات والتفاعل. وكلما بقي المستخدم متصلًا بالشاشة لفترة أطول، ازدادت قيمة الانتباه الذي يمكن للمنصة استثماره.
ولا تُصمَّم الخوارزميات بالضرورة لمكافأة الغضب أو معاقبة الهدوء، لكنها تقيس مؤشرات مثل التفاعل والاحتفاظ بالانتباه. ولذلك قد تمنح أفضلية عملية للمحتوى القادر على إثارة الانفعال والجدل، خصوصًا إذا كان صادمًا أو سريعًا أو استفزازيًا. كلما بقي المستخدم غاضبًا أو خائفًا أو منخرطًا في جدل مستمر، بقي متصلًا بالشاشة. وهكذا يتحول الانفعال الجماعي إلى جزء من دورة اقتصادية كاملة، تنتج موجات متلاحقة من «الترند» تستهلك الوعي العام وتعيد تشكيله يوميًا.
استقالة العقل في زمن التريند
الخطر الحقيقي لا يتمثل في استخدام التكنولوجيا بحد ذاته، بل في الانتقال التدريجي من عقل مستقل يقرأ ويحلل ويتحقق ويشكك، إلى عقل يكتفي بجرعات معرفية سريعة لا تتجاوز ثواني معدودة.
فالمقطع القصير قد يقدم معلومة مفيدة، لكنه لا يضمن وحده بناء معرفة. وتصبح المشكلة أكثر خطورة حين تُقدَّم القضايا المعقدة في صورة مختزلة توحي بأن بضع ثوانٍ تكفي للإحاطة بموضوع يحتاج إلى قراءة وسياق وتخصص. عندها قد يشاهد الفرد مقطعًا مجتزأً، فيظن أنه فهم ملفًا طبيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا أو دينيًا شديد التعقيد. وبعد دقائق قليلة، قد يتحول إلى محلل استراتيجي أو خبير اقتصادي أو صاحب فتوى.
هنا تظهر مشكلة معرفية عميقة تتمثل في صعوبة التمييز بين امتلاك المعلومة وامتلاك المعرفة، وبين القدرة على الكلام والقدرة على الفهم. وقد تتصل هذه الظاهرة، بصورة جزئية، بما ناقشته أبحاث علم النفس المعرفي حول صعوبة بعض الأفراد في تقدير حدود معرفتهم؛ وهي الفكرة التي ارتبطت بما يُعرف بتأثير دانينغ–كروغر. فمحدودية المعرفة في مجال ما قد تجعل صاحبها أقل قدرة على اكتشاف أخطائه أو تقدير مدى تعقيد الموضوع وحدود ما يعرفه.
من قمة الوهم إلى وادي الإدراك
يمكن أن يمر الإنسان، في علاقته بالمعرفة، بما يشبه مراحل متباينة. يبدأ أحيانًا بما يشبه «قمة الوهم»، حين تمنحه معلومات سطحية ثقة مفرطة بنفسه. ثم يصل إلى «وادي الإدراك»، حيث يكتشف حجم التعقيد الحقيقي للموضوع، ويدرك أن ما كان يظنه بسيطًا أكثر تعقيدًا مما تصور. وبعدها يبدأ الصعود التدريجي نحو فهم أكثر نضجًا، يقوم على التواضع العلمي والقدرة على التمييز بين ما يعرفه وما لا يعرفه.
ولهذا، غالبًا ما يكون الجاهل أكثر يقينًا من العالم، لا لأن الجهل قوة، بل لأن المعرفة الحقيقية تكشف للإنسان اتساع ما يجهله.
ولعل ما عبّر عنه المتنبي قبل قرون يختصر هذه المفارقة الإنسانية بدقة مذهلة: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
فالجاهل يعيش أحيانًا راحة الوهم لأنه يظن أنه يملك الأجوبة كلها، بينما يعيش العاقل قلق الأسئلة واتساع الاحتمالات.
أزمة التربية: حين تهزم المدرسة أمام الشاشة
لا يمكن فصل الأزمة الرقمية عن أزمة تربوية أعمق تعانيها مجتمعاتنا منذ سنوات طويلة. ففي أجزاء واسعة من العالم العربي، لا تزال أنماط تعليمية تعتمد بدرجات متفاوتة على الحفظ والتلقين أكثر مما تدرب الطالب على التفكير النقدي. يتعلم الطالب كيف يكرر الإجابة، لا كيف يناقشها؛ وكيف يحفظ المعلومة، لا كيف يختبرها أو يتحقق منها أو يضعها موضع السؤال.
وعندما يدخل هذا العقل إلى الفضاء الرقمي، يصبح أكثر هشاشة أمام التضليل والشائعات والخطابات الشعبوية. فالإنسان الذي لم يُربَّ على السؤال، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي جواب سريع وجاهز، خصوصًا إذا قُدّم له بلغة عاطفية أو بصورة جذابة. وهنا تكمن إحدى أخطر حلقات الأزمة: حين تفشل المدرسة في بناء العقل النقدي، تأتي المنصة الرقمية لتملأ الفراغ، لكنها لا تفعل ذلك بالضرورة وفق معيار الحقيقة، بل وفق معيار الانتباه والتفاعل.
العاطفة المشتعلة وسحر الشعبوية
في مجتمع مثقل بالخوف والانهيار وفقدان الثقة بالمستقبل، قد تتقدم الاستجابة العاطفية على التحقق والتفكير الهادئ. وهنا تجد الشعبوية بيئة ملائمة للانتشار.
وفي مثل هذا المناخ، يملك المحتوى الصادم أو الغاضب أو الطائفي أو الاستفزازي قدرة كبيرة على جذب التفاعل، فتساهم الخوارزميات التي تقترح المحتوى على المستخدمين في توسيع انتشاره. ويمكن عندها أن تتحول الشائعة إلى حقيقة في غضون ساعات، وأن يتحول الرأي الانفعالي إلى حالة جماهيرية واسعة قبل أن تُفحص الوقائع أصلًا.
لا يعود السؤال عندها: ما الحقيقة؟ بل يصبح: ما الذي انتشر؟ ولا يعود معيار الأهمية هو: ما الذي يستحق النقاش؟ بل: ما الذي حصل على أكبر عدد من المشاهدات؟
وفرة المعلومات وفقر الوعي
يعيش الإنسان المعاصر في أكثر العصور امتلاءً بالمعلومات، لكنه ليس بالضرورة أكثر وعيًا أو فهمًا. فوفرة المعلومات لا تعني وجود معرفة حقيقية، كما أن سرعة الوصول إلى المعلومة لا تعني القدرة على تحليلها. وقد خلقت المنصات الحديثة وهمًا خطيرًا مفاده أن مشاهدة عدد هائل من المقاطع السريعة تساوي الثقافة والمعرفة.
لكن المعرفة الحقيقية تحتاج إلى وقت وصبر وتراكم وقراءة عميقة، وإلى قدرة على الربط بين المعلومات ووضعها في سياقها. ولهذا، يبدو الإنسان الحديث أحيانًا محاطًا بفيض هائل من البيانات والآراء، لكنه يفتقد القدرة على الربط والتحليل والتمييز بين الحقيقة والضجيج. المشكلة ليست في أن الإنسان يعرف أقل، بل في أنه قد يعتقد أنه يعرف أكثر مما يعرف فعلًا.
الهزيمة الحضارية تبدأ من هنا
الهزيمة الحقيقية لا تبدأ بالضرورة بسقوط الاقتصاد أو ضعف الدولة، بل تبدأ عندما يفقد المجتمع قدرته على التمييز بين المعرفة الحقيقية والضجيج.
فعندما يتساوى صوت المختص مع صوت المهرّج في الوزن العام، رغم اختلاف الخبرة والمعرفة، وعندما يُعامل البحث العلمي كما يُعامل مقطع عابر مدته خمس عشرة ثانية، يصبح الوعي الجمعي أكثر هشاشة وقابلية للتوجيه. وعندما تتراجع القدرة على التحقق، ويصبح الانتشار بديلًا عن الدليل، والانفعال بديلًا عن النقاش، تتأثر قدرة المجتمع على بناء رأي عام قادر على مساءلة السلطة، وفهم الأزمات، واتخاذ القرارات.
إن الشعوب التي تهجر القراءة والتفكير النقدي، وتسلم جزءًا كبيرًا من وعيها لمنطق الخوارزميات والتفاعل السريع، لا تُهزم فقط سياسيًا أو اقتصاديًا، بل قد تدخل تدريجيًا في حالة من التبعية المعرفية والثقافية. عندها تصبح الشاشة الصغيرة، لا المدرسة ولا الجامعة ولا الكتاب ولا المؤسسة العلمية، مرجعًا متزايد التأثير في العقل والسلوك والانفعال. وهنا تحديدًا تكمن خطورة «جمهورية الـ15 ثانية»: ليس في أن المقطع قصير، بل في أن المجتمع قد يبدأ بتقييم كل شيء بمنطق المقطع القصير؛ السياسة، والدين، والعلم، والتاريخ، وحتى الحقيقة نفسها.
طوق النجاة: استعادة العقل المستقل
المواجهة الحقيقية لا تكون عبر المنع أو الانكفاء أو شيطنة التكنولوجيا. فالمنصات الرقمية أصبحت جزءًا من الواقع، ولا يمكن مواجهة آثارها بإلغاء وجودها. المواجهة الحقيقية تبدأ بإعادة بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي.
يحتاج لبنان اليوم إلى إعادة الاعتبار إلى المدرسة والجامعة والكتاب والنقاش العقلاني، وإلى تربية جيل يعرف كيف يسأل قبل أن يصدق، وكيف يتحقق قبل أن ينفعل، وكيف يمتلك شجاعة قول: «لا أعلم». فالعقل المستقل لا يعني امتلاك كل الأجوبة، بل امتلاك القدرة على التمييز، والوعي بحدود المعرفة، ومقاومة الانجراف خلف الضجيج.
وفي النهاية، لا تُهزم الأمم فقط عندما تخسر حروبها أو اقتصادها، بل عندما تفقد قدرتها على التفكير الحر، وتسلم وعيها طوعًا لمن يجيد إدارة الخوف والانفعال والخوارزميات.
وقد تكون المعركة الأهم التي يخوضها لبنان اليوم ليست فقط مع انهيار الدولة أو الاقتصاد، بل مع خطر أعمق: أن يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما يراه وما يفهمه، وبين ما ينتشر وما هو صحيح، وبين ما يثيره وما يستحق أن يؤمن به. فالمشكلة ليست أن نعيش في عالم من المقاطع التي لا تتجاوز خمس عشرة ثانية، بل أن نسمح لمنطقها أن يختزل طريقة فهمنا للعالم، ومعاييرنا في الحكم على الناس والأفكار، وحتى قدرتنا على التمييز بين المعرفة والانفعال.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير