إيران بين نار المواجهة وأعباء الوكلاء: إلى أين يقود نظام طهران المنطقة؟ “2”
الحوثيون في اليمن، فقد تطورت قدراتهم بصورة جعلتهم فاعلًا يتجاوز حدود الحرب اليمنية. فريق خبراء الأمم المتحدة الخاص باليمن خلص إلى أن الجماعة لا تمتلك بمفردها القدرة على تطوير طيف واسع من الأنظمة المعقدة التي تستخدمها، من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن إلى الطائرات المسيّرة..
خاص بوابة بيروت
شبكة الحلفاء والوكلاء: الردع الرخيص الذي أصبح مكلفًا
بنت إيران على مدى عقود نموذجًا استراتيجيًا مكّنها من ممارسة النفوذ خارج حدودها من دون نشر جيوش إيرانية تقليدية ضخمة. لكن وصف كل هذه الجماعات بأنها مجرد «دمى» لطهران ليس دقيقًا. فدرجة السيطرة الإيرانية تختلف من تنظيم إلى آخر، ولكل جماعة حساباتها المحلية ومصالحها وقياداتها. وهذا ما تؤكده أيضًا دراسات الكونغرس الأميركي: الدعم الإيراني موثق، لكن مستوى الاستقلالية يختلف. حزب الله يمثل تاريخيًا أقرب هذه التنظيمات إلى إيران من حيث العقيدة والتسليح والتدريب والعلاقة بفيلق القدس. لكنه دفع أثمانًا عسكرية وسياسية ضخمة خلال السنوات الأخيرة، وتعرضت قيادته وبنيته لضربات قاسية. ومع ذلك بقي عنصرًا مركزيًا في حسابات طهران؛ بل إن وقف القتال في لبنان دخل صراحة ضمن تفاهمات وقف الحرب الأميركية–الإيرانية في يونيو/حزيران 2026.
أما الحوثيون في اليمن، فقد تطورت قدراتهم بصورة جعلتهم فاعلًا يتجاوز حدود الحرب اليمنية. فريق خبراء الأمم المتحدة الخاص باليمن خلص إلى أن الجماعة لا تمتلك بمفردها القدرة على تطوير طيف واسع من الأنظمة المعقدة التي تستخدمها، من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن إلى الطائرات المسيّرة، مشيرًا إلى الدعم الخارجي وعمليات اعتراض معدات ومواد. وفي العراق، وثقت وزارة الخزانة الأميركية في 2026 ارتباط عدد من الجماعات المسلحة بإيران، بينها كتائب حزب الله، حركة النجباء، عصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء. لكن العراق يقدم أيضًا مثالًا على حدود مفهوم “الوكيل”: فقد أظهرت الحرب أن بعض الفصائل ليست مستعدة دائمًا لخوض حرب إيرانية لمجرد أن طهران تريد ذلك، خصوصًا عندما تصبح مصالحها السياسية والاقتصادية داخل الدولة العراقية معرضة للخطر. أما فلسطينيًا، فالدعم الإيراني لحماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني موثق منذ سنوات في تقارير أميركية ومصادر متعددة، لكنه لا يعني أن كل قرارات هذه التنظيمات تُتخذ في طهران. العلاقة تتراوح بين التمويل والتسليح والتدريب والتنسيق السياسي والعسكري، مع بقاء لكل تنظيم أجندته وبنيته القيادية الخاصة. المشكلة الإقليمية الأساسية ليست في وجود تحالفات لإيران؛ فالدول تتحالف في النظام الدولي. المشكلة هي عندما يصبح بناء جماعات مسلحة خارج السيطرة الكاملة للدول الوطنية وسيلة دائمة للنفوذ السياسي والعسكري. عندها تدفع الدول المضيفة الثمن. لبنان يصبح معرضًا للحرب بسبب قرار عسكري لا تحتكره الدولة. العراق يواجه ازدواجية بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة. اليمن يتحول موقعه الجغرافي إلى أداة ضغط على التجارة العالمية. وسوريا، التي كانت لسنوات الممر الاستراتيجي الأهم بين إيران ولبنان، شهدت تراجعًا حادًا للنفوذ الإيراني بعد سقوط نظام الديكتاتور بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وهكذا فإن “محور المقاومة” الذي صُمم ليمنح إيران عمقًا استراتيجيًا أصبح في الوقت نفسه شبكة جبهات تستطيع إشعال المنطقة كلها.
هرمز وباب المندب: عندما تتحول الجغرافيا إلى سلاح
هنا تتجاوز القضية إيران والخليج إلى الاقتصاد العالمي. بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، كان نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية يمر عبر مضيق هرمز في النصف الأول من 2025. لكن متوسط التدفقات هبط بصورة حادة خلال الحرب؛ وتظهر بياناتها انخفاضها إلى 4.9 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026. صندوق النقد الدولي وصف الصدمة بأنها واحدة من أكبر اضطرابات الإمدادات في تاريخ سوق الطاقة، وقدّر أن الإغلاق الفعلي للمضيق حجب في المرحلة الأولى قرابة 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات. وفي الطرف الآخر من الجزيرة العربية يوجد باب المندب. وتظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة أن تدفقات النفط عبره بلغت 8.1 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026. المعنى الاستراتيجي واضح: إذا أصبحت هرمز وباب المندب في وقت واحد أداتين للصراع، فإن إيران وحلفاءها لا يضغطون على الولايات المتحدة أو إسرائيل فقط، بل على آسيا وأوروبا وشركات التأمين والنقل وأسعار الوقود والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية. وهنا أيضًا يظهر حد القوة الإيرانية. فتعطيل الممرات البحرية يمنح طهران نفوذًا هائلًا، لكنه يضر في الوقت نفسه بالدول التي تحتاج إيران إلى عدم تحولها إلى أعداء، ويضر بالصادرات الإيرانية نفسها. إنه سلاح قوي، لكنه سلاح يمكن أن يصيب صاحبه.
القواعد الأميركية: نقاط قوة ونقاط ضعف في آن واحد
تاريخيًا، منح الانتشار العسكري الأميركي في الخليج واشنطن قدرة استثنائية على التدخل السريع. لكنه يمنح إيران أيضًا مجموعة واسعة من الأهداف المحتملة. ولهذا فإن البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية وغيرها لا تنظر إلى المواجهة باعتبارها شأنًا أميركيًا–إيرانيًا بعيدًا. أي قاعدة أو منشأة لوجستية تستخدم في عمليات ضد إيران يمكن أن تدخل، وفق التهديدات الإيرانية، في دائرة الرد. وقد هددت طهران صراحة خلال 2026 بتوسيع ردها ليشمل بنى تحتية في دول خليجية إذا انطلقت منها أو ساندت هجمات جديدة. هذا يفسر النشاط الدبلوماسي الخليجي المكثف. دول الخليج ليست في موقع الدفاع عن البرنامج النووي الإيراني أو عن شبكات طهران المسلحة، لكنها أيضًا لا تريد أن تصبح مدنها وموانئها وحقولها النفطية ومحطات الكهرباء والمطارات فيها ساحات لتصفية الحساب الأميركي–الإيراني. بالنسبة لها، السيناريو المثالي ليس انتصار إيران ولا حربًا أميركية شاملة عليها؛ بل نظام ردع يمنع طهران من تهديد جيرانها من دون إشعال الخليج.
إسرائيل في المعادلة: العامل الذي لا يمكن حذفه ولا يجوز أن يبتلع التحليل
إسرائيل جزء رئيسي من المواجهة، لكنها ليست كل المواجهة. ترى إسرائيل البرنامج النووي الإيراني وشبكة الصواريخ وحزب الله والفصائل المسلحة تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا، وكانت شريكًا في الضربات التي فتحت مرحلة الحرب الحالية. وفي المقابل جعلت طهران الصراع مع إسرائيل أحد المبررات المركزية لبناء شبكتها الإقليمية. لكن تحويل كل السياسة الإيرانية إلى مجرد رد فعل على إسرائيل يتجاهل جانبًا جوهريًا: طهران بنت نفوذًا سياسيًا وعسكريًا داخل دول عربية، وطورت منظومة أمن إقليمي موازية للدول نفسها، وسعت إلى إخراج الوجود الأميركي من المنطقة. وفي المقابل، فإن نقد المشروع الإيراني لا يمنح العمليات الأميركية أو الإسرائيلية حصانة من القانون الدولي. مشروعية أي ضربة، والتناسب والتمييز وحماية المدنيين، تبقى مسائل قانونية مستقلة عن طبيعة النظام المستهدف. وقد وصفت منظمة العفو الدولية الهجمات الأميركية–الإسرائيلية التي بدأت في فبراير/شباط بأنها غير مشروعة، في الوقت الذي أدانت فيه بقوة القمع الإيراني. المعيار الحقوقي الجدي لا يتغير بحسب هوية الضحية أو المهاجم.
الإيرانيون بين العقوبات والقمع والحرب
ربما تكون أكثر مفارقات المشروع الإقليمي الإيراني قسوة أن الدولة التي بنت نفوذًا يمتد من لبنان إلى اليمن والعراق وجماعات فلسطينية تواجه أزمة عميقة في الداخل. بدأت الاحتجاجات الأخيرة في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 وسط ضغوط اقتصادية وتدهور مستويات المعيشة، ثم اتسعت مطالبها سياسيًا. وفي سبتمبر/أيلول 2026 خلصت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران إلى وقوع انتهاكات جسيمة في قمع الاحتجاجات، واعتبرت أن عددًا من الأفعال، بينها القتل والسجن والحرمان الشديد من الحرية والتعذيب وأفعال لا إنسانية أخرى، يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية. كما وثقت الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة ادعاءات بالاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة وانتهاكات المحاكمة العادلة. ومن جهتها قالت هيومن رايتس ووتش ومركز عبد الرحمن برومند إن السلطات أعدمت تعسفيًا ما لا يقل عن 59 رجلًا بين 18 مارس ونهاية أغسطس 2026 على خلفية اتهامات سياسية وأمنية، بينهم 29 شخصًا على الأقل اعتُقلوا على صلة باحتجاجات ديسمبر 2025 ويناير 2026. المشكلة هنا ليست حادثة أمنية منفصلة؛ إنها بنية حكم تتعامل مع الاحتجاج الداخلي باعتباره تهديدًا أمنيًا وجوديًا. وهذا يقود إلى التناقض الأكثر إحراجًا في خطاب النظام: دولة تقول إنها تنفق قوتها ومواردها لحماية شعوب المنطقة بينما تواجه قطاعات واسعة من شعبها التضخم وانهيار العملة والبطالة ونقص الموارد، ويُواجه معارضوها بالسجن والمحاكم الثورية والإعدام. لكن يجب توخي الدقة عند الحديث عن تكلفة الوكلاء. تنتشر أرقام كثيرة حول «مليارات الدولارات» التي تنفقها إيران سنويًا، إلا أن غياب موازنات شفافة وآليات تدقيق مستقلة يجعل تحديد رقم إجمالي حالي موثوق أمرًا بالغ الصعوبة. توجد تقديرات أميركية موثقة لبعض الجماعات والفترات، لكنها لا تكفي لبناء رقم شامل لعام 2026. والحجة الأقوى لا تحتاج إلى رقم مختلق: وجود شبكة تسليح وتمويل وتدريب ونقل ودعم عسكري عابرة لعدة دول موثق؛ وفي الوقت نفسه انهيار العملة والتضخم والانكماش الاقتصادي موثقة أيضًا. أما تحويل ذلك إلى فاتورة سنوية دقيقة من دون بيانات قابلة للتدقيق فسيكون ادعاءً يتجاوز الأدلة.
المفاوضات: سلام محتمل أم جبهة أخرى في الحرب؟
المفارقة أن الحرب لم توقف التفاوض. في يونيو/حزيران توصل الطرفان إلى «مذكرة تفاهم إسلام آباد» المكونة من 14 نقطة، والتي فتحت فترة تفاوض أوسع مدتها 60 يومًا، وربطت وقف العمليات العسكرية وفتح هرمز بمناقشة العقوبات والبرنامج النووي وترتيبات أمنية واقتصادية أوسع. لكن الاتفاق لم يحسم أصعب الملفات. وفي أواخر سبتمبر عادت قطر إلى لعب دور الوسيط في اتصالات غير مباشرة، بينما قدمت إيران مقترحًا جديدًا لوقف الأعمال القتالية وفتح هرمز مقابل ترتيبات تتعلق بالحصار والعقوبات. وفي 30 سبتمبر أكدت طهران أنها تلقت ردًا أميركيًا عبر الوسطاء القطريين، فيما بقيت الفجوة بين الطرفين واسعة. وهذا يكشف طبيعة التفاوض الحالية: ليس بديلًا للحرب بقدر ما هو جزء من إدارتها. واشنطن تستخدم العقوبات والحصار والقوة العسكرية لتحسين شروط التفاوض. وطهران تستخدم هرمز والصواريخ والقدرة على توسيع الجبهات لتحسين شروطها. كل طرف يريد الدبلوماسية، ولكن بعد أن يدفع الآخر ثمن رفض شروطه. لهذا يمكن للمفاوضات أن تنتج تسوية، لكنها تستطيع أيضًا أن تصبح مجرد فترات استراحة لإعادة التموضع.
يتبع..
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير