لا تبنوا دولة الطائفة وتطالبوا بدولة القانون !

منذ متى أصبح الفساد مسألة وجهة نظر؟ ومتى أصبح تجاوز القانون مقبولاً إذا ارتكبه شخص من طائفتنا؟ وهل تتغيّر طبيعة الخطأ بحسب هوية مرتكبه؟ وهل يصبح الفاسد أقل فساداً لأنه مسيحي أو مسلم، سنياً أو شيعياً أو درزياً؟ وهل تتحوّل المخالفة إلى بطولة إذا ارتكبها شخص نعتبره ممثلاً لنا؟

خاص بوابة بيروت

لن تقوم دولة حقيقية في لبنان ما دام بعض اللبنانيين يتعاملون مع الطائفة باعتبارها خط الدفاع الأول عن كل من ينتمي إليها، مهما فعل، ومهما ارتكب من مخالفات، ومهما كان حجم الضرر الذي ألحقه بالبلد وبأبنائه.

المشكلة ليست في أن ينتمي الإنسان إلى طائفة، أو أن يعتزّ بدينه وهويته وتقاليده. هذه حقوق شخصية واجتماعية لا خلاف عليها. المشكلة تبدأ عندما يتحوّل هذا الانتماء إلى مبرّر لتجاوز القانون، وإلى حصانة غير معلنة تحمي الفاسد، وتدافع عن المرتكب، وتمنع محاسبة المسؤول لمجرد أنه من جماعتنا.

هنا تحديداً يكمن أحد أخطر أوجه الخلل في المجتمع اللبناني، أن يصبح السؤال الأول عند وقوع مخالفة أو فضيحة ليس ماذا فعل هذا الشخص؟ وهل ما فعله قانوني وأخلاقي؟ بل من أي طائفة هو؟ ومن سيقف إلى جانبه؟ ومن سيعتبر محاسبته استهدافاً للطائفة بأكملها؟

وكأننا، من حيث لا ندري أو ربما عن سابق إصرار، حوّلنا الطوائف من مكوّنات اجتماعية ودينية إلى جيوش للدفاع عن السياسيين، ومنظومات للحماية المتبادلة، حتى عندما تكون الحقيقة واضحة والوقائع لا تحتمل الكثير من التأويل.

والأخطر أن هذا السلوك لم يعد مجرّد موقف عابر أو رد فعل ظرفي. لقد تحوّل، لدى شرائح من المجتمع، إلى ثقافة تتناقلها الأجيال. يتعلّم الطفل أن يدافع عن زعيم بيئته قبل أن يفهم ماذا فعل، ويكبر الشاب وهو يسمع أن انتقاد أحد أبناء طائفته هو انتقاد للطائفة كلها، وأن محاسبة زعيمه مؤامرة على جماعته، حتى لو كان هذا الزعيم نفسه جزءاً من منظومة ساهمت في تدمير الدولة وإفقار الناس.

وهكذا، بدلاً من أن نربّي أجيالاً تسأل وتناقش وتحاسب، نُسهم في تربية أجيال ترى في الولاء الأعمى فضيلة، وفي الاعتراض خيانة، وفي الدفاع عن ابن الطائفة واجباً يتقدّم على الحقيقة والعدالة والمصلحة العامة.

لكن منذ متى أصبح الفساد مسألة وجهة نظر؟ ومتى أصبح تجاوز القانون مقبولاً إذا ارتكبه شخص من طائفتنا؟ وهل تتغيّر طبيعة الخطأ بحسب هوية مرتكبه؟ وهل يصبح الفاسد أقل فساداً لأنه مسيحي أو مسلم، سنياً أو شيعياً أو درزياً؟ وهل تتحوّل المخالفة إلى بطولة إذا ارتكبها شخص نعتبره ممثلاً لنا؟

هذه ليست أسئلة نظرية. إنها جوهر الأزمة التي يعيشها لبنان.

في تقريرها عن لبنان، تشير منظمة الشفافية الدولية إلى أن تقاسم السلطة على أساس طائفي، رغم أنه نشأ بهدف الحفاظ على التوازن بين المكوّنات، ارتبط أيضاً بمشكلات في الإدارة والفاعلية والفساد، وبشبكات محسوبية وزبائنية تؤثر في المؤسسات وتوزيع الموارد. كما وثّق تقرير تشخيص الحوكمة والفساد الصادر عن صندوق النقد الدولي في عام 2026 ثغرات واسعة في الرقابة والمساءلة، وضعفاً في تطبيق الأطر القانونية، ومشكلات مؤسسية تعرقل مكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون.

هذه التقارير لا تقول إن كل فرد ينتمي إلى طائفة معينة متورّط في الفساد، ولا يجوز استخدامها لإدانة مجتمع بأكمله. لكنها تؤكد أن الخلل ليس مجرد انطباع أو خلاف سياسي، بل مشكلة مؤسسية حقيقية تتطلب إصلاحاً ومحاسبة. ويمكن الاطلاع على تقرير منظمة الشفافية الدولية بشأن الفساد في إعادة إعمار لبنان، وعلى تقرير صندوق النقد الدولي حول الحوكمة والفساد في البلاد.

وإذا أردنا أن نفهم كيف تستمر هذه المنظومة، علينا أن ننظر إلى العلاقة بين السياسي والناس. فالسياسي الذي يستمدّ قوته من الولاء الطائفي لا يحتاج دائماً إلى تقديم إنجازات أو تحسين الخدمات أو حماية أموال الدولة. يكفيه أحياناً أن يقنع جمهوره بأن كل انتقاد له هو استهداف لطائفته، وأن كل مطالبة بمحاسبته تخدم خصومها.

وعندها يصبح الفشل قابلاً للتبرير، والفساد قابلاً للتغاضي عنه، والعجز قابلاً للتسويق، طالما أن الزعيم يرفع شعار حماية الجماعة.

لكن من يحمي المواطن من الفقر؟ ومن يحمي أمواله؟ ومن يؤمّن له الكهرباء والطبابة والتعليم وفرص العمل؟ ومن يحاسَب عندما تنهار المؤسسات وتتراجع الخدمات ويضطر الناس إلى دفع ثمن الفشل من جيوبهم وأعمارهم ومستقبل أولادهم؟

هل فكّر المواطن الذي يدافع عن مسؤول لمجرد انتمائه الطائفي أنه قد يكون، من حيث لا يدري، يدافع عن شخص أو منظومة تضرّ بمصالحه ومصالح عائلته؟ وهل يدرك أن الزعيم الذي يطلب منه الولاء المطلق لا يحق له أن يطلب إعفاءه من المساءلة؟

المشكلة أن المحاسبة الانتقائية لا تبني دولة. فإذا طالبنا بمحاسبة خصومنا، ثم رفضنا محاسبة حلفائنا، فنحن لا ندافع عن القانون، بل نستخدمه وفقاً لمصالحنا. وإذا اعتبرنا فساد الآخر جريمة، وفساد ابن بيئتنا خطأً يمكن تبريره، فنحن لا نحارب الفساد، بل نمنحه غطاءً جديداً.

ولا يمكن أن نطالب بقضاء مستقل إذا كنا نريد من القضاء أن يحاسب خصومنا فقط. ولا يمكن أن نطالب بمؤسسات قوية إذا كنا نرفض استقلالها عندما تتعارض قراراتها مع مصالح زعيمنا. ولا يمكن أن نطالب بالمساواة أمام القانون، ثم نبحث عن الاستثناءات والحمايات كلما وصل التحقيق إلى شخص قريب منا.

الدولة لا تُبنى على مبدأ أن لكل طائفة حقاً في حماية أبنائها مهما فعلوا. الدولة تُبنى عندما يعرف كل مسؤول أن منصبه لا يمنحه حصانة، وأن كل مواطن، مهما كان اسمه أو انتماؤه أو نفوذه، يخضع للقانون نفسه.

وهنا لا بد من التمييز بين الدفاع عن حقوق الطائفة، وهو حق مشروع، وبين استخدام الطائفة لحماية شخص من المساءلة. فالأولى تتعلق بالمساواة والتمثيل والكرامة، أما الثانية فتحوّل الجماعة إلى درع في وجه العدالة، وتضرّ في النهاية بأبنائها قبل غيرهم.

ليس المطلوب أن يتخلّى اللبناني عن طائفته، بل أن يتخلّى عن فكرة أن طائفته فوق القانون. وليس المطلوب أن يتوقف عن الدفاع عن حقوق جماعته، بل أن يفهم أن من أهم هذه الحقوق أن يعيش في دولة عادلة، لا أن يبقى رهينة زعيم أو شبكة مصالح أو زبائنية سياسية.

والتغيير لن يأتي من السياسيين وحدهم، لأن بعضهم يستفيد من استمرار هذه الثقافة. يبدأ التغيير أيضاً من المواطن، ومن العائلة، ومن المدرسة، ومن الإعلام، ومن كل شخص يقرّر أن يقول الحقيقة حتى عندما تكون محرجة لمن ينتمي إليهم.

يبدأ عندما نعلّم أبناءنا أن النزاهة أهم من الولاء، وأن الحقيقة لا تتغيّر بحسب هوية قائلها، وأن الدفاع عن المظلوم لا يحتاج إلى معرفة طائفته، وأن الفاسد لا يصبح بريئاً لأننا نتشارك معه الاسم أو الدين أو المنطقة.

ويبدأ عندما نرفض أن يكون معيارنا في تقييم المسؤول هو قدرته على حماية موقع طائفته، ونستبدل به معياراً أبسط وأكثر عدلاً، ماذا قدّم للناس؟ كيف أدار المسؤولية التي أُوكلت إليه؟ وهل احترم القانون أم تجاوزه؟

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائه، بل إلى قواعد مشتركة تحمي الجميع. ولا يحتاج إلى مزيد من الولاءات التي تعفي أصحاب النفوذ من المحاسبة، بل إلى مؤسسات لا تخاف من أحد ولا تستثني أحداً.

قد يختلف اللبنانيون في السياسة والدين والرؤية إلى مستقبل بلدهم، وهذا أمر طبيعي. لكن لا يجوز أن يختلفوا على مبدأ أن الفساد فساد، وأن مخالفة القانون تستوجب المحاسبة، وأن المال العام ليس ملكاً لزعيم أو حزب أو طائفة.

في النهاية، لا يستطيع اللبناني أن يطالب بدولة تحميه من الظلم، فيما يساهم هو في حماية من يظلم غيره. ولا يمكن أن ننتظر من المؤسسات أن تكون أقوى من الثقافة التي تحاصرها، أو أن نطالب بالقانون فيما نبحث باستمرار عن مخرج منه عندما لا يناسبنا.

لا تبنوا دولة الطائفة وتطالبوا بدولة القانون. لا تحوّلوا الانتماء إلى حصانة، ولا تجعلوا الولاء بديلاً عن المحاسبة. فلبنان لن يتغيّر فعلاً عندما يتبدّل الزعماء فقط، بل عندما يتغيّر المعيار الذي يحاسبهم الناس على أساسه.

الدولة التي تحمي الجميع لا تحتاج إلى مواطنين يحرسون فساد بعضهم بعضاً. تحتاج إلى مواطنين يحمون القانون، حتى عندما يكون تطبيقه على حساب أقرب الناس إليهم.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك