سياسة الإرتهان والمصالح الخاصة والولاءات الخارجية

النظام السياسي اللبناني وبكل مكوناته وقع في أخطأ سياسة الإرتهان – المصالح الخاصة – الولاءات الخارجية - التردُّدْ ولم يستطيع تقديم مشروع وطني سيادي يحمل رؤية ذات إرادة حرّة حتى تراكمت القضايا الأمنية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية ، وما لبث الوضع نتيجة هذه السياسة أنْ إستفحلتْ الأزمات على تنوّعها وخطورتها وهناك تخوف لدى مركز الأبحاث PEAC من إنزلاق سياسي – أمني – ديمغرافي أكبر وأخطر من المراحل السابقة .

خاص بوابة بيروت

في العلوم السياسية تُعرّفْ سياسة الإرتهان أو ما يُعرفْ بالتبعية السياسية والأمنية والإقتصادية والعقائدية بأنها “الخضوع الرسمي لإرداة دولة ما” ، سواء أكانتْ إقليمية أم أجنبية ، أو لدولة ذات نفوذ إقليمي غير شرعي لا تستوفي شروط السيادة ومندرجات القانون الدولي . سياسة الإرتهان في النظام السياسي اللبناني ظاهـرة للعيان وليستْ بحاجة لأي دليل فالأدلّة واضحة لإعتماد هذا النظام شبه الكُلّي على دولة إقليمية تُلّبيه في كل أفعاله مثل الفساد والسرقة وضرب النظام الديمقراطي وإضعاف المؤسسات الرسمية .

أضحى النظام السياسي المرتهن أسير لمطالب تلك الدولة التي جعلتْ ساحته ومؤسساته مرتعًا لتبادل الرسائل ، وفي الوقت نفسه أصبح هذا النظام أداة مطواعة لتنفيذ مصالح هذه الدولة على حساب السيادة الوطنية ومصالح الشعب والمؤسسات الرسمية الشرعية المدنية منها والأمنية . لقد تظهّرتْ أخطار كثيرة وخطيرة في ممارسة أسلوب الإرتهان لدى النظام السياسي اللبناني ومن أبرز مؤشرات هذا الإرتهان نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : أ- فقدان السيادة الوطنية والإستقلال الحر وأضحت المنظومة السياسية اللبنانية موّجهة ومُقيّدة من الدولة العميقة ، ب- التبعية السياسية والعقائدية والإجتماعية والأمنية وتحوّلت منظومة النظام لعجز فاضح وتقصير في إتخاذ القرارات المصيرية ، ج – التبعية الإقتصادية وأزمة البطالة والهجرة والفقر من خلال فرض سياسات ضرائبية على المُكلّف اللبناني لا قدرة لديه على تحمُّل أعبائها في ظل إستمرار سياسة الهدر الممنهجة ، د – تآكل النظام الشرعي أي بما معناه فقدان النظام السياسي لشرعيته محليًا وإقليميًا ودوليًا حيث أصبح أداة لتنفيذ الأجندات الخارجية .

سِمات الأزمة اللبنانية هي تردُّدْ المسؤول ، والمؤسف أنّ الأزمة كَبُرَتْ وتشعبّتْ والتردُّد هو ما يمكن ملاحظته في معظم أداء السلطات اللبنانية ( تشريعية – إجرائية – تنفيذية – أمنية – قضائية ) ، والتردُّد في الإختيار السياسي ينتج في العادة عن غياب الإرادة السياسية الحرّة من جهة وفقدان المشروع الوطني الحديث الديمقراطي من جهة أخرى . الأمثلة كثيرة من بينها أداء السلطات السياسية السابقة وإستكمالاً مع السلطة الحالية مع كامل التقدير لِما تسعى إليه ، ولكن الأداء منذ قرابة السنتين من سيء إلى أسوأ حتى وصلنا إلى ما عليه من إحتلال إسرائيلي لبعض من أراضي الجنوب .

النظام السياسي اللبناني وبكل مكوناته وقع في أخطأ سياسة الإرتهان – المصالح الخاصة – الولاءات الخارجية – التردُّدْ ولم يستطيع تقديم مشروع وطني سيادي يحمل رؤية ذات إرادة حرّة حتى تراكمت القضايا الأمنية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية ، وما لبث الوضع نتيجة هذه السياسة أنْ إستفحلتْ الأزمات على تنوّعها وخطورتها وهناك تخوف لدى مركز الأبحاث PEAC من إنزلاق سياسي – أمني – ديمغرافي أكبر وأخطر من المراحل السابقة .

في المرحلة الراهنة وعلى مفصل إستحقاقات إقليمية ودولية تتجسّد ظاهـرة الموفدين إلى لبنان وهذه حالة يصفها الباحثون في السياسة على “أنها حالة عميقة من الهشاشة السياسية – الأمنية – الفكرية “، حيث تكشف بوضوح لا لُبسَ فيه عن ثقافة الإرتهان السائدة في أوساط الساسة اللبنانيين والواقع السياسي المُعاش . الظاهـر أنّ حركة الموفدين حاليًا تترّكز حول إمكانية إحتواء التصعيد العسكري وملء الفراغ الأمني المتوّقع في جنوب لبنان ، وفي نظـرة سريعة يسعى الوفد الفرنسي لإجراء ترتيبات أمنيّة كتثبيت للهدنة ، أما بعثة الإتحاد الأوروبي تسعى لإنشاء بعثة دعم جديدة مدنية وعسكرية لمنع أي فراغ ، أما موفدو عواصم خليجية فإنهم يتخوّفون من إنزلاق نحو مواجهة إقليمية والهدف فرملة المواجهة ، وبعثة صندوق النقد الدولي تُحاول معالجة الأزمة المالية التي لم ولن تصل إلى خواتمها . في الخلاصة تلّخص لنا كمركز أبحاث PEAC انّ حركة الموفدين الدوليين والإقليميين إلى وطننا في معادلة دقيقة تفصل بين العناوين الدبلوماسية المعلنة وبين المضامين السياسية والأمنية الخلفية والرهانات على الإستحقاقات في الدول المعنية بالأزمة اللبنانية ، ولا داعي لكشف معطيات عن مواضيع تُناقش خلف الكواليس هدفها إدارة أزمة بكل تبعاتها المعيبة وضبط إيقاعها بما يتماشى مع مصالح الخارج والداخل.

هل يُدرك ساسة لبنان والروحيين زائري السياحة الدينية الخاصة الهدف في ظرف مصيري دقيق أنّ الإرتهان للخارج ليس طارئًا على الحياة السياسية اللبنانية ؟ إنما هـو نهج متجذِرْ في صلب العمل السياسي اللبناني بدأ مع الأتراك وإستمّرَ مع الوصاية الفرنسية إلى زمن الإستقلال إلى زمن ياسر عرفات ، وزمن السوري حيث كانتْ مراكز هؤلاء قُبلة ساسة لبنان زمنيين وروحيين ومنبع قراراتهم المُستمدّة من الإملاءات، إلى زمن إيران … الواضح أنّ الأشخاص تغيّروا وبقيَّ السلوك السياسي اللبناني على ذاته لا بل تطوّر في نهج العمالة .

زعامات سياسية علمانية وروحية تتذلّل وتستجدي وتنبطح ومعهم أصبحت الدولة مصادرة القرار والأرض ، وهل يُعقل أنّ من يمارس سياسة الإرتهان والمصالح الخاصة والولاء الخارجي أن يُصبح في يوم من الأيام زعيمًا وطنيًا ؟! كلا وألف كلا…

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك