أيزنكوت ونتنياهو : ضدّان في السطوح ويلتقيان في الأعماق
تتعقّد الصورة حين ننتقل من السطوح إلى الأعماق. أيزنكوت صاحب " عقيدة الضاحية" التي حكمت حرب تمّوز 2006 لا يمكن إلّأ أن ينتقل من تصوّره الأمني للأمور. ونتنياهو، بدوره، يستند إلى التصوّر الذي وضعه في كتابه " مكان تحت الشمس" الذي أصدره في العام 1993 ليبرّر فيه حقّ الوجود الذي يتمّ صونه بواسطة القوّة المفرطة...
خاص بوابة بيروت
خطابان متناقضان في السطوح. أهداف استراتيجيّة مشترَكَة في الأعماق. أيزنكوت ونتانياهو: ضدّان ويلتقيان.
تقف إسرائيل اليوم أمام سؤال يتجاوز هوية الحاكم إلى طبيعة المشروع الذي قد يحكمها بعد إقفال صناديق الاقتراع وصدور النتائج. ولكنّ النتائج الحقيقيّة ستكون حتمًا بعد نتائج صناديق الاقتراع، أي من خلال تشكيل الإئتلاف الحكومي الذي سيحكم إسرائيل في المرحلة القادمة.
يبدو غادي أيزنكوت وبنيامين نتنياهو ضدّين في السطوح. الأول جنرال سابق يتقدّم بخطاب يركّز على المسؤولية الوطنية، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، ومراجعة الإخفاقات الأمنية والسياسية، انطلاقًا من أخطاء غريمه السياسي. والثاني رئيس حكومة جعل من الأمن عنوانًا مركزيًا لقيادته، ومن القوة العسكرية المفرطة أداة أساسية في إدارة الصراعات، ومن بقاء حكومته معركة سياسية لا تقل أهمية عن المعارك التي يخوضها جيشه. ونجح في مهامه حتى الساعة بغضّ النّظر عمّا قام به.
في السطوح، ثمة اختلاف واضح بين الرجلين. لكن هل يكفي هذا الاختلاف للحكم بأنهما يمثلان مشروعين متناقضين في الجوهر؟ أم أن التنافس بينهما يخفي مساحة من التوافق حول الثوابت الأمنية والاستراتيجية لإسرائيل؟
فالسطوح قد تُظهر التناقض، فيما تكشف الأعماق عن تقاطعات لا تظهر في الخطابات الانتخابية. وهذا ما تُدار إسرائيل بواسطته. فلا يظنّن أحد أنّ تغيير الأشخاص سيؤدّي إلى تغيير الاستراتيجية. فالمخطّط ماضٍ قدمًا في التنفيذ كائن مَن يكن رئيسًا للحكومة الإسرائيليّة.
في السطوح : اختلاف في المسؤولية والقيادة
يقدّم أيزنكوت نفسه بوصفه شخصية أمنية ذات خبرة عسكرية، قادرة على مساءلة القيادة السياسية ومراجعة الإخفاقات التي أصابت إسرائيل، ولا سيما منذ هجوم السابع من تشرين الأول 2023. وفي خطابه، تحضر الحاجة إلى تغيير القيادة، وإعادة الاعتبار إلى المسؤولية، ومعالجة الخلل في إدارة الحرب والعلاقة بين الدولة ومؤسساتها.
أما نتنياهو، فيتمسّك بصورة القائد الذي يواجه تهديدات متعددة، ويعتبر أن بقاء إسرائيل قوية عسكريًا شرط لحماية وجودها ومصالحها. وفي هذا الإطار، يدافع عن قراراته، ويضع المواجهات العسكرية ضمن سردية أوسع عن أمن إسرائيل ومكانتها الإقليمية. ولعلّ هذا ما أدّى إلى تولّيه رئاسة الحكومة الإسرائيلية على مرحلتين رئيسيتين:
• المرحلة الأولى: من 18 حزيران 1996 إلى 6 تموز 1999، أي نحو 3 سنوات.
• المرحلة الثانية: من 31 آذار 2009 إلى 13 حزيران 2021، أي نحو 12 سنة وشهرين.
• المرحلة الثالثة: منذ 29 كانون الأول 2022، وما زال في المنصب حتى اليوم.
لقد أمضى نتنياهو نحو19 سنة وشهر واحد في رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهو صاحب أطول مدّة حكم كرئيس للحكومة في تاريخ إسرائيل.
هنا يبدو الرجلان ضدّين. لكن السياسة لا تُقاس بما يقوله المتنافسون عن أنفسهم وحدهم، بل بما يريدونه فعلًا، وبما يستطيعون تنفيذه، وبالحدود التي لا يرغبون في تجاوزها أو حتّى في تجاوزها حفاظًا على ما يضمرونه في الأعماق.
في الأعماق : الأمن الإسرائيلي فوق الخلافات
تتعقّد الصورة حين ننتقل من السطوح إلى الأعماق. أيزنكوت صاحب ” عقيدة الضاحية” التي حكمت حرب تمّوز 2006 لا يمكن إلّأ أن ينتقل من تصوّره الأمني للأمور. ونتنياهو، بدوره، يستند إلى التصوّر الذي وضعه في كتابه ” مكان تحت الشمس” الذي أصدره في العام 1993 ليبرّر فيه حقّ الوجود الذي يتمّ صونه بواسطة القوّ’ المفرطة.
قد يختلف الرجلان على كيفية استخدام القوة، لكن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أن أحدهما يتبنّى رؤية مناقضة للآخر في القضايا الاستراتيجية الأساسية. فالخلاف على الوسيلة أكثر منه خلافًا على الغاية؛ وعلى إدارة القوة أكثر منه على موقع القوة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
يتواجهان على قيادة الدولة، بينما يلتقيان في عدد من المسلّمات التي تحكم نظرة الدولة إلى محيطها. ومن الخطأ افتراض أن تغيير الشخص الذي يتولى الحكم يعني، تلقائيًا، تغيير السياسة التي ينتهجها الحكم.
الحرب : مَن يختلف على القرار، ومَن يختلف على الهدف؟
قد ينتقد أيزنكوت طريقة إدارة نتنياهو للحرب في السطوح، لكن هذا النقد لا يساوي بالضرورة رفض الأهداف الأمنية الإسرائيلية، كما أن الاعتراض على إدارة الحرب لا يعني تلقائيًا تبنّي تسوية تنهي الصراع على أساس تنازلات استراتيجية. لا بل أبعد من ذلك هما يلتقيان في الأعماق على الهدف الاستراتيجي الأمني أوّلًا.
وفي المقابل، يسعى نتانياهو إلى الحفاظ على صورتين: صورة الدولة القوية التي ليست تلك التي تملك السلاح وحده، بل تلك التي تستطيع مساءلة قيادتها، وتصحيح أخطائها، وتحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار. وصورة الدّولة التي تستطيع استخدام القوّة المفرطة لتحقيق الأهداف الاستراتيجيّة.
في الأعماق لا خلاف على القرار ولا حتّى على الهدف. قد تنجح الحرب في إضعاف خصم، من دون أن تنجح في بناء نظام سياسي أكثر أمنًا. فالهدف في الأعماق هو تحقيق النّجاح الاستراتيجي. أمّا في السطوح فهو النّصر العسكري. وما يهمّ العقل الإسرائيلي هو هذا النّصر الاستراتيجي كما دائمًا. وهذا ما حققته إسرائيل في حرب 2006 باستصدارها القرار 1701.
لبنان في حسابات الرجلين
بالنسبة إلى لبنان، لا يكفي أن يتغيّر رئيس الحكومة الإسرائيلية أو أن تنتقل القيادة من نتنياهو إلى منافس له، كي نفترض أن السياسة الإسرائيلية ستتغيّر جذريًا. ولا سيّما أنّ نتنياهو سيظل رئيسًا لوزراء إسرائيل في الأسبوع المقبل. وبصفته رئيسًا للوزراء في حكومة تصريف أعمال، فقد ييقى في منصبه لأسابيع، وربما لأشهر. على أن تعلن النتائج النهائية الرسمية في الرابع من تشرين الثاني. وإذا انتهت مهلة تشكيل الحكومة من دون إنجاز ذلك، سيتم تنظيم جولة انتخابية جديدة.
مع العلم أنّ المشاركة في هذه الانتخابات بلغت نسبة قياسية هي الأعلى منذ 1973؛ مع مشاركة أكثر من مليون عربي؛ ولعلّ هذا ما سيثير حفيظة إسرائيليّة جديدة للتخلّص من هذه المجموعة الموجودة في الدّاخل الإسرائيلي.
وبالعودة إلى لبنان، فالمصلحة اللبنانية تقتضي قراءة ما وراء التنافس الداخلي الإسرائيلي: ما الشروط التي تضعها إسرائيل لأي تسوية؟ ما رؤيتها للحدود والأمن والانسحاب؟ ما الدور الذي تريد أن يلعبه الجيش اللبناني؟ وهل تقبل بأن تتولى الدولة اللبنانية وحدها مسؤولية الأمن على أرضها، ضمن اتفاقات وضمانات تحترم سيادتها؟
هذه الأسئلة بالنسبة إلينا كلبنانيّين يجب أن تكون أهم من هوية الفائز في الانتخابات. فلا يجوز للبنان أن أيراهن على سقوط نتنياهو باعتباره ضمانة للسلام، كما لا يجوز له أن يفترض أن وصول أيزنكوت أو غيره سيقود تلقائيًا إلى تسوية أكثر إنصافًا. فالسياسة اللبنانية الرشيدة تُبنى على المصالح والضمانات والوقائع، لا على الأسماء وحدها. والمؤسف في ما نعيشه اليوم أنّ هذه السياسة ليست رشيدة حتّى الساعة، بل تترقّب لحظات تكتيّة علّها تستطيع انتزاع ما قد تعتبره إنجازًا استراتيجيًّا.
الانتظار سيكون إلى ما بعد الرابع من تشرين الثاني لإصدار النتائج رسميًّا، وهكذا أيضًا تكون قد انتهت الانتخابات الأميركيةّ، وسنكون بعدها أمام مرحلة انتظاريّة جديدة لنفهم الصورة التي ستنتظر المنطقة بالكامل. إذا كان أيزنكوت ونتنياهو ضدّين في السطوح، فهل يكون التغيير بينهما تغييرًا في جوهر السياسة الإسرائيلية، أم أن إسرائيل ستبدّل قائدها فيما تبقى المنطقة أسيرة الأعماق نفسها؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير