بين الديموغرافيا والجيو – استراتيجيا… إلى أين؟

يقف لبنان أمام اختبار مزدوج : كيف يستعيد قراره الداخلي في مواجهة ازدواجية السلاح، وكيف يحمي أرضه من الاعتداءات الإسرائيلية في ظلّ احتمال انفجار المواجهة الأميركية الإيرانية؟

خاص بوابة بيروت

منذ فجر التّكوين ولبنان يقوم على قواعد ديموغرافيّة تختلف بحسب الظروف المحلّيّة والمعطيات الدّوليّة. وما تأثّر الوطن اللبناني بالديموغرافيا إلّا بسبب الارتباطات بالمحاور. ولا يمكن بناء وطن مستدام في كيانيّته على ديموغرافيا متحرّكة ومتبدّلة. والأدهى أنّ هذا التبدّل لا يرتبط فقط بالعامل الدّاخلي وحسب، بل بعوامل خارجيّة تعمل على جعل هذا الوطن ساحة أو منطلقًا لأهدافها التوسّعيّة الإمبراطوريّة عبر التّاريخ.

وعلى وقع هذه المعطيات التاريخية المتأرجحة خضع تبدّل السلطة في لبنان إلى عمليّة التبدّل الديموغرافي، حتّى بتنا اليوم نسمع من بعض رجال الدين الذين يدورون في فلك منظّمة حزب الله أنّ المسيحيين يجب أن تنتزع منهم كلّ الصلاحيات السياسية لأنّهم بحسب هذا المعمّم لا يتخطّون العشرين بالمئة من مجموع السّكّان في لبنان.

هذا الكلام لم يكن موجودًا عندما كانت الدّيموغرافيا المسيحيّة هي الغالبة. لكنّ هذا الكلام يدفعنا إلى الاستنتاج بأنّ الهدف هو تغيير وجه لبنان من دولة ذو وجه عربي إلى دولة عربيّة ثمّ إلى جمهوريّة إسلاميّة. وهذا ما لن يتحقّق. ليس إلّا لأنّ الاعتماد على الديموغرافيا وحدها للسيطرة على النّظام السياسي وحده غير كافٍ. العدد شيء والقدرة شيء آخر مختلف تمامًا. لأنّ القدرة ترتبط بالمحاور، ونحن اليوم في زمن سقوط هذه المحاور. ستسقط حتمًا بشكل نهائي بعد سقوط المحور الذي يحرّكها.

فقدرة المكوّن الذي اختطفته منظّمة حزب الله ستسقط حتمًا بشكل نهائي بعد سقوط المحور الذي يحرّكها. وهي أساسًا بعد خوضها مواجهة استراتيجيّة فاشلة لمدّة ثلاث سنوات خسرت أكثر من 80 % من هذه القدرة. وبالتّالي الديموغرافيا وحدها لن تقدّم شيئًا. لأنّه في عالم الذكاء الاصطناعي لا قيمة لأيّ سباق بيولوجي لتغليب الديموغرافيا على الجيو – استراتيجيا.

على وقع تصاعد التهديدات الأميركية لإيران، يتقدّم الحراك الذي يقوده جي دي فانس عبر الوساطات، ولا سيما القطرية والباكستانيّة، في محاولة لفتح نافذة تفاوضية تفضي إلى صفقة موعودة مع طهران. غير أنّ الرهان على نجاح هذه الوساطات يبدو محفوفًا بالشكوك، في ظل اتساع الفجوة بين المطالب الأميركية والإيرانية، واستمرار الحشد العسكري الأميركي الذي لا يمكن اختزاله بالضغط الدبلوماسي وحده.

فحين تترافق لغة الإنذارات مع تحريك القوات وتعزيز الجاهزية العسكرية، يصبح احتمال استخدام القوة جزءًا من الحسابات الفعلية، لا مجرد ورقة تفاوضية. وقد تكون الدبلوماسية هنا محاولة أخيرة لفرض شروط التسوية، أو لتوفير الغطاء السياسي لمرحلة أكثر تصعيدًا، وهذا هو الخيار المرجّح إذا أخفقت الوساطات في انتزاع تنازلات إيرانية.

ومن هنا، تبدو الضربة العسكرية أرجح من نجاح صفقة سريعة، وإن لم تكن حتمية، فيما يبقى السؤال: هل تسعى واشنطن إلى اتفاق يمنع الحرب، أم إلى اتفاق يُفرض تحت ظلالها؟

ولا ينفصل هذا المشهد عن الوضع الداخلي الإسرائيلي، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الضغوط السياسية، ويصبح التصعيد الخارجي عنصرًا مؤثرًا في موازين الداخل. وفي لبنان، تتكثّف هذه المعادلات على وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، ومحاولات تثبيت وقائع ميدانية عبر المواقع والطرق العسكرية، بالتزامن مع تضارب المعطيات حول الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران.

وهنا تكمن خطورة أن يتحوّل لبنان إلى ساحة انتظار لنتائج تفاهمات إقليمية لا يشارك في صياغتها، أو إلى ورقة في مواجهة تتجاوز حدوده. فالدولة مطالبة باستعادة قرارها السيادي، لا عبر الاكتفاء بالشعارات، بل بتطبيق القانون ونزع السلاح وتعزيز الجيش، وبمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية سياسيًا ودبلوماسيًا وميدانيًا ضمن الإمكانات المتاحة.

أما داخليًا، فإن نزع السلاح والضغوط الأمنية الإقليمية لا تنفصلان عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فالدولة التي تعجز عن فرض سلطتها الأمنية، وتبقى مواردها المالية رهينة الاختلالات، لن تستطيع استعادة ثقة مواطنيها أو المستثمرين والمؤسسات الدولية. إن السيادة ليست ملفًا أمنيًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل هي قدرة الدولة على حماية الأرض، وإدارة الموارد، وتوفير الخدمات، واتخاذ القرار.

وهكذا، يقف لبنان أمام اختبار مزدوج: كيف يستعيد قراره الداخلي في مواجهة ازدواجية السلاح، وكيف يحمي أرضه من الاعتداءات الإسرائيلية في ظلّ احتمال انفجار المواجهة الأميركية الإيرانية؟ فضلًا عن أنّ هذا الأسبوع سيشهد بلورة لخارطة الطريق الأميركية في الشرق الأوسط الجديد، بعد اتّضاح خارطة المجلسين عقب نتائج الانتخابات. هل سيكمل دونالد ترامب مخططاته للسلام الشرق -أوسطي على القاعدة الابرهيمية من دون عقبات الديموقراطيين؟

أمّأ في لبنان، فلا يكفي أن تعلن الحكومة تمسكها بالسيادة، كما لا يكفي أن تُدان الاعتداءات في البيانات الرسمية. المطلوب دولة قادرة على التفاوض من موقع المسؤولية، وعلى حماية الجنوب من دون تركه رهينة حسابات الآخرين، وعلى فرض القانون من دون انتقائية. فاستعادة الدولة لا تكون ذريعة لتجاهل الاحتلال، كما أن مواجهة الاحتلال لا تبرّر استمرار السلاح خارج مؤسساتها. وبين هذين التحدّيين، يبقى السؤال الأهم: هل ينجح لبنان في تحويل لحظة التهديدات الإقليمية إلى فرصة لاستعادة سيادته، أم يجد نفسه مجددًا يدفع ثمن صفقة لا قدرة له بأن يكون طرفًا في صناعتها؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك