لبنان لا يُبنى بالثأر السياسي بل بالمواطنة

خاص بوابة بيروت

لقد تعرَّض اللبنانيونَ المسيحيونَ للتنكيلِ السياسيِّ بعد نهايةِ حربِ لبنانَ عامَ 1990. هذه حقيقةٌ لا ترحمُ ولا يمكنُ إنكارُها. ذلك التنكيلُ السياسيُّ يتحمَّلُ مسؤوليتَه كلُّ مَن تعاملَ مع الاحتلالِ السوريِّ للبنانَ، واستقوى بالسوريينَ، ومن ثمَّ الإيرانيينَ، على الفئاتِ اللبنانيةِ المسيحيةِ المختلفةِ، بعد هزيمتِها في حربِ لبنانَ.

هنالك بعضُ النزعاتِ التي نراها اليومَ عند قسمٍ من اللبنانيينَ المسيحيينَ، وهو قسمٌ صغيرٌ على كلِّ حالِ، ويشملُ لبنانيينَ من كلِّ الطوائفِ والفئاتِ في المجتمعِ اللبنانيِّ، تستعجلُ التطبيعَ الكاملَ مع “إسرائيل”.

تلك النزعاتُ تعبِّرُ في كثيرٍ من الأحيانِ عن اقتناعٍ أيديولوجيٍّ أو تقاطعٍ مصلحيٍّ يترجمُ العلاقاتِ بين اللوبياتِ المختلفةِ في الولايات المتحدة الأميركية. هذا أمرٌ لا شكَّ فيه. غيرَ أنَّ بعضَ هذه النزعاتِ هو في أحيانٍ كثيرةٍ أخرى ردُّ فعلٍ على ذلك التنكيلِ السياسيِّ الذي عانى منه جزءٌ كبيرٌ من المجتمعِ اللبنانيِّ بعد نهايةِ حربِ لبنانَ.

وكلُّ ذلك التنكيلِ تمَّ باسمِ العداءِ مع “إسرائيل”. ذلك العداءُ الذي باسمِه مُورسَ الترهيبُ والقمعُ، وباسمِه نُفِّذت عملياتُ الاغتيالِ الجسديِّ والسياسيِّ والمعنويِّ.

هذا لبنانُ. وفي لبنانَ لا تسلُّطَ ولا هيمنةَ تدومُ للأبدِ. وكلُّ استقواءٍ بالخارجِ على الداخلِ مصيرُه الزوالُ ولو بعد حينٍ. وقد آن الأوانُ للتوبةِ النهائيةِ عن كلِّ استقواءٍ بالبلدانِ الخارجيةِ التي لا تريدُ سوى مصالحِها. وآن الأوانُ لكي تكونَ وحدةُ مجتمعِنا فوقَ كلِّ اعتبارٍ، والانتماءُ للبنانَ فوقَ كلِّ انتماءٍ، ومصلحةُ الأمةِ اللبنانيةِ فوقَ كلِّ مصلحةٍ.

صحيحٌ أنَّ “حزب الله” هو حالةٌ مختلفةٌ حتمًا، وبشكلٍ جذريٍّ، عن جميعِ القوى السياسيةِ التي مرَّت في تاريخِ لبنانَ، ولا يمكنُ مقارنتُه بأيٍّ منها، فهو تنظيمٌ مرتبطٌ بشكلٍ عضويٍّ بـ الحرس الثوري الإيراني، وهو امتدادٌ عسكريٌّ وبشريٌّ وسياسيٌّ وأيديولوجيٌّ واقتصاديٌّ واجتماعيٌّ له، وتأييدُ “حزب الله” هو بمثابةِ خطيئةٍ بحقِّ لبنانَ، الأرضِ والمجتمعِ والدولةِ.

إنَّما على الرغمِ من كلِّ ذلك، علينا أن نفعلَ المستحيلَ لكي نمنعَ أن تتحوَّلَ هزيمةُ “حزب الله” إلى فرصةٍ لتكرارِ التنكيلِ السياسيِّ باللبنانيينَ المسيحيينَ مع شيعةِ لبنانَ.

يبقى أنَّ خلاصَ لبنانَ يحتاجُ بالضرورةِ إلى حظرِ الأحزابِ السياسيةِ الطائفيةِ. على جميعِ الأحزابِ أن تكونَ عابرةً للطوائفِ والمناطقِ، وأن تعملَ من منظورِها لأجلِ لبنانَ.

وتبقى قضيتُنا الأولى هي التمسُّكُ بكاملِ الأرضِ، والدفاعُ عن وحدةِ المجتمعِ، وبناءُ الدولةِ القادرةِ على حمايةِ مجتمعِنا وأرضِنا، وأن يكونَ الانتماءُ للبنانَ فوقَ كلِّ انتماءٍ.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك