بينَ صورةِ وليد جنبلاط وعودةِ الجنوبيين…

هل لبنانُ أمامَ نهايةِ الحربِ أم هدنةِ استنزافٍ؟

بقلم بنت الجبل – خاص بوابة بيروت

في مشهد لم يكن عابرًا، ظهرت صورة الرئيس وليد جنبلاط على زجاج عدد من سيارات الجنوبيين العائدين إلى قراهم. خاصتا نسبة نزوج في جبل لبنان كانت اكثر من نصف النازحين اجمع. لم تكن هذه الصورة مجرد لفتة عاطفية، ولا تفصيلًا بصريًا في لحظة العودة، بل بدت كأنها رسالة صامتة من الناس أنفسهم، رسالة تقدير لمن شعروا أنه وقف معهم إنسانيًا ووطنيًا في لحظة الوجع، بعيدًا عن المزايدات والشعارات. فالناس، في لحظات النزوح والخوف، لا تحفظ فقط الخطب، بل تتذكر من خفّف عنها الألم، ومن لم يتاجر بمعاناتها.

لكن هذه الصورة، على رمزيتها، لا تكفي وحدها لتقول إنّ الأمور انتهت. فالسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط لماذا علّق الناس صورة وليد جنبلاط على سيارات العودة، بل: هل عادوا فعلًا إلى جنوب آمن؟ وهل نحن أمام نهاية حرب حقيقية؟ أم أننا فقط أمام هدنة هشّة جديدة، فيما البلد كلّه يعيش فوق استنزاف مفتوح؟

حرب اعصاب على كل الميادين

ما عاشه لبنان في هذه المرحلة لم يكن مجرد نزوح عابر، بل استنزاف شامل للدولة والمجتمع معًا. كل البلديات تركت أشغالها الأساسية، وتركت ملفات الناس وخدماتهم اليومية، وصارت كل طاقتها ومواردها مكرّسة لخدمة النازحين. البلديات التي بالكاد كانت قادرة أصلًا على تأمين الحد الأدنى من الخدمات، تحولت فجأة إلى غرف طوارئ مفتوحة، تُدير الإيواء، وتنسّق المساعدات، وتواكب الاحتياجات، وتتحمل فوق قدرتها.

وكل موارد الدولة، بما تبقّى منها، ذهبت نحو خطة إيواء اضطرارية في بلد مفلس أصلًا. أُقفلت المدارس الرسمية حتى يكون هناك مكان آمن للنازحين. وتحولت الصفوف من أماكن تعليم إلى أماكن نوم وانتظار. وهذا بحد ذاته ليس تفصيلًا بسيطًا. لأنّ المدرسة في بلد مثل لبنان لم تعد فقط مؤسسة تعليمية، بل آخر ما تبقّى من معنى الاستقرار. وحين تُقفل المدارس من جديد، فهذا يعني أنّ الحرب لا تسرق فقط البيوت، بل تسرق أيضًا انتظام الحياة ومستقبل الأولاد.

إلى جانب ذلك، دخلت القرى والبلدات المضيفة في ضغط يومي هائل: كهرباء أكثر استنزافًا، مياه أكثر ضغطًا، طرقات أكثر ازدحامًا، مستشفيات أكثر إنهاكًا، وموارد غذائية ودوائية ومحروقات كلها تحت ضغط إضافي. وفي بلد يعيش أصلًا تحت الانهيار، يصبح السؤال الذي من حق الناس أن تطرحه بصوت عالٍ: شو بعد بدنا نعمل أكتر من هيك؟

إذا ما في مين يقدر

الناس لم تقصّر. الناس، بإنسانيتها، ساعدت. فتحت البيوت، وفتحت المدارس، وفتحت القاعات، وتحملت فوق طاقتها. لكن المشكلة أنّ كل هذا لم يعد مجرد تضامن إنساني، بل صار استنزافًا مفتوحًا لمجتمع كامل ولدولة أصلًا مكسورة.

والأقسى من ذلك، أنّ هناك من لا يزال حتى اللحظة يتصرّف وكأنّ شيئًا لم يتغيّر. هناك من يتعامل مع تعب الناس كأنه أمر طبيعي، ومع استنزاف البلديات والدولة كأنه تفصيل، ويواصل الحديث عن “النصر الإلهي” كأنّ المدارس التي أُقفلت، والبلديات التي انهكت، والناس التي تعبت، ليست جزءًا من الحقيقة.

المشكلة ليست فقط في الحرب نفسها، بل في غياب الوعي بحجم ما تتركه هذه الحرب على الناس الذين استقبلوا وتحملوا وصبروا. المشكلة في أن يبقى البعض غير مكترث لكل هذا التعب، وكأنّ المجتمع المضيف مجبر إلى ما لا نهاية أن يفتح أبوابه ويصمت ويكمل حياته كأن شيئًا لم يكن.

الناس ساعدت، نعم. لكن الناس أيضًا تعبت. ومن حقها أن تتعب. ومن حقها أن تسأل: كيف يمكن لدولة مفلسة أصلًا أن تتحمّل كل هذا؟ كيف يمكن لبلديات شبه مشلولة أن تبقى وحدها في الواجهة؟ وكيف يمكن لمجتمع منهك نفسيًا واقتصاديًا أن يُطلب منه في كل مرة أن يدفع وحده ثمن قرار الحرب؟

وفي وسط هذا كله، لا يزال البعض يتحدث عن العودة وكأنّ الجنوب قد يعود ليتعكّر من جديد في أي لحظة، وكأنّ الحرب صارت نمط حياة، وكأنّ النزوح صار محطة اعتيادية، وكأنّ المجتمع اللبناني كله مجرد مساحة احتياط تُفتح عند الحاجة ثم تُترك لتداوي نفسها بنفسها.

وهذا أخطر ما في المشهد. ليس فقط أنّ الحرب تُهجّر الناس، بل أنّها بدأت تُنتج نوعًا من الاعتياد المرضي على المأساة. أرجيلة موجودة، دخان موجود، دواء أعصاب موجود، أوجاع مزمنة موجودة، تعاسة يومية موجودة، ومع ذلك لا يزال هناك من يتعامل مع الخراب وكأنه تفصيل، ومع النزوح وكأنه مشهد موسمي، ومع “النصر” وكأنه جواب كافٍ على كل هذا الانهيار.

وهنا لا بدّ من قول الحقيقة كما هي: ليس كل تحمّل بطولة، وليس كل صمت صمودًا، وليس كل نزوح تضحية مشرّفة إذا كان يُعاد إنتاجه مرة بعد مرة من دون مراجعة ولا قرار دولة.

من حق النازح أن يُحمى، وأن يجد الأمان والكرامة. لكن من حق المجتمع الذي استقبله أيضًا أن يقول إنّ طاقته ليست بلا حدود، وإنّ إنسانيته لا تعني أن يُلغى خوفه، أو يُهمّش وجعه، أو يُطلب منه أن يتحمّل وحده نتائج حرب لا يريدها.

في هذا البلد، لم يعد المطلوب فقط فتح مراكز إيواء. المطلوب إقفال المسار الذي يجعلنا نحتاجها في كل مرة. لم يعد المطلوب فقط إدارة النزوح. المطلوب إنهاء السياسة التي تعيد إنتاجه. لم يعد المطلوب فقط التضامن. المطلوب قرار واضح بأنّ هذا البلد لا يستطيع أن يكمل هكذا، لأنّ الاستمرار بهذا الشكل لن يُسقط منطقة وحدها، بل سيُسقط ما تبقّى من لبنان كله.

لقد فعل اللبنانيون ما عليهم، وأكثر. فتحوا المدارس، وتحملت البلديات، واستنزفت الدولة، وصبر الناس. أما الآن، فالدور على الحكومة أن تقول كلمتها بوضوح، كفى.

كفى إدارة للخراب وكأنه قدر، كفى مسايرة لخطاب لا يزال يبيع الناس أوهام “النصر” فيما الوطن يُستنزف من الداخل، كفى تحميل المجتمع والدولة والبلديات والمدارس ما لا قدرة لهم على احتماله.

لأنّ السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط، هل عاد الناس إلى الجنوب؟ بل، هل عاد لبنان فعلًا إلى الاستقرار؟ أم أننا فقط في استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من التعب والخوف؟ وإذا لم يُطرح هذا السؤال بصدق، وإذا لم يُترجم إلى قرار واضح ينهي هذا المسار، فإنّ العودة لن تكون عودة إلى الحياة، بل مجرد فاصل مؤقت في مسلسل طويل من الإنهاك الوطني… قبل أن نختفي جميعًا تحت ركام وطن استُنزف أكثر مما يحتمل.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك