من الباستيل إلى بيروت: هندسة الدولة والنظام الدستوري

خاص بوابة بيروت

في الرابع عشر من تموز من كل عام، تستعيد فرنسا ذكرى سقوط سجن الباستيل، الحدث الذي تحول إلى رمز لانهيار النظام القديم وبداية مسار طويل انتهى بقيام الدولة الجمهورية الحديثة. غير أن المقارنة بين الباستيل وبيروت ليست مقارنة بين مكانين أو بين تجربتين متشابهتين، بل بين مسارين دستوريين مختلفين. فإذا كان سقوط الباستيل قد افتتح الطريق أمام فرنسا لإعادة بناء الدولة ومصدر الشرعية السياسية، فإن لبنان، منذ نشأة دولته الحديثة، لا يزال يواجه تحدياً دستورياً مختلفاً يتمثل في كيفية بناء دولة قادرة على احتضان مجتمع شديد التنوع، وفي تحديد النظام الدستوري الأكثر قدرة على تحقيق ذلك.

لم تولد الجمهورية الفرنسية بمجرد سقوط الباستيل، كما لم تستقر بإسقاط الملكية. فقد احتاجت فرنسا أكثر من قرن من التحولات الدستورية والسياسية، تعاقبت خلاله الملكية والجمهورية والإمبراطورية، وشهدت البلاد ثورات وانقلابات وصراعات داخلية، إلى أن استقر نموذجها الجمهوري الحديث، وتكرست أسسه مع قانون فصل الكنيسة عن الدولة عام 1905. لقد أثبت التاريخ الفرنسي أن إسقاط نظام سياسي قد يكون سريعاً، أما بناء الدولة فيحتاج إلى زمن أطول، وإلى مؤسسات راسخة، وثقافة دستورية، وممارسة سياسية قادرة على تحويل المبادئ إلى واقع.

ولا تكمن أهمية هذه التجربة بالنسبة إلى لبنان في استنساخ النموذج الفرنسي، وإنما في استخلاص أحد أهم دروس التاريخ الدستوري، وهو أن نجاح الدول لا يرتبط فقط بشكل النظام السياسي، بل بقدرتها على بناء دولة تستند إلى المؤسسات، وسيادة القانون، ومفهوم المواطنة.

ومنذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم صدور دستور عام 1926، والاستقلال عام 1943، مروراً بالأزمات الدستورية المتعاقبة، والحرب الأهلية، ووصولاً إلى اتفاق الطائف، لم يتوقف اللبنانيون عن البحث عن الصيغة الدستورية القادرة على إدارة خصوصية مجتمعهم المتعدد دينياً وثقافياً وسياسياً. ولم يكن الخلاف، في جوهره، محصوراً بتوزيع الصلاحيات بين السلطات، بل تجاوز ذلك إلى طبيعة الدولة نفسها، وحدود سلطتها، والعلاقة بين الدولة والجماعات التي يتكون منها المجتمع اللبناني.

وجاء اتفاق الطائف ليشكل محطة مفصلية في هذا المسار، ليس بوصفه مجرد اتفاق أنهى الحرب الأهلية، بل باعتباره إطاراً دستورياً انتقالياً لإعادة بناء الدولة. فقد رسم الدستور المعدل بعد الطائف مساراً إصلاحياً متكاملاً يقوم على تعزيز المؤسسات، واعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، وإنشاء مجلس للشيوخ، والعمل تدريجياً على إلغاء الطائفية السياسية، وصولاً إلى ترسيخ مفهوم المواطنة. إلا أن جانباً أساسياً من هذه الإصلاحات بقي معلقاً، ما جعل النظام اللبناني يعيش مرحلة انتقالية امتدت لعقود، وترافقت مع أزمات سياسية ودستورية واقتصادية متلاحقة.

واليوم، ومع تصاعد الانقسامات الداخلية، واستمرار الأزمات المالية والاقتصادية، والتحديات الأمنية، والتدخلات الإقليمية والدولية، عاد النقاش حول شكل النظام السياسي إلى الواجهة، وبرزت طروحات متعددة، من تطوير اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة إلى الدعوات لاعتماد الفدرالية، في مقابل الدعوة إلى تطوير النظام القائم أو التمسك به. غير أن هذا النقاش، على أهميته، يثير إشكالية دستورية أعمق، وهي ما إذا كانت أزمة لبنان تكمن في شكل النظام السياسي، أم في عدم اكتمال بناء الدولة القادرة على إنجاح أي نظام يُعتمد.

إن التجارب الدستورية المقارنة تؤكد أن النصوص، مهما بلغت دقتها، لا تصنع وحدها الاستقرار السياسي. فقد ينجح النظام البرلماني في دولة ويفشل في أخرى، كما قد تنجح النظم الاتحادية أو اللامركزية في مجتمعات معينة، وتتعثّر في مجتمعات أخرى، تبعاً لخصوصية كل مجتمع، ولمستوى الثقة بين مكوناته، واستقلال مؤسساته، وترسخ ثقافة المواطنة فيه. فالعبرة ليست في استيراد نموذج دستوري، بل في مدى انسجامه مع الواقع الوطني، وفي قدرة المؤسسات على تطبيقه وفق أحكام الدستور.

ومن هنا، فإن أي نقاش حول تطوير النظام السياسي في لبنان ينبغي أن ينطلق أولاً من مراجعة التجربة الدستورية اللبنانية منذ قيام الدولة، ومن تقييم ما نُفذ وما لم يُنفذ من أحكام الدستور، ولا سيما الإصلاحات التي نص عليها اتفاق الطائف باعتباره إطاراً انتقالياً لإعادة بناء الدولة، لا مجرد تسوية سياسية أنهت الحرب. فقبل البحث عن نظام جديد، تبدو الحاجة ملحة إلى فهم أسباب تعثر النظام القائم، والتمييز بين قصور النصوص وقصور الممارسة.

لقد احتاجت فرنسا أكثر من مئة عام حتى استقرت على نموذجها الدستوري، ولم يكن نجاحها نتيجة اختيار شكل معين للحكم بقدر ما كان ثمرة بناء تدريجي للمؤسسات، وترسيخ لسيادة القانون، وتكوين ثقافة سياسية جعلت الدولة المرجعية العليا لجميع المواطنين.

أما في لبنان، فقد يكون التحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في اختيار النظام الأنسب، بل في استكمال بناء الدولة نفسها، بحيث تصبح قادرة على احتضان جميع أبنائها ضمن مفهوم المواطنة المتساوية، بعيداً عن منطق الغلبة أو الانقسام. فالهندسة الدستورية، مهما بلغت دقتها، لا تحقق أهدافها بذاتها، بل تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء فاعل، وإدارة كفوءة، وثقافة مدنية تؤمن بأن احترام الدستور هو الضمانة الحقيقية لاستمرار الدولة.

وبين الباستيل وبيروت، لا تكمن العبرة في تشابه التاريخين، بل في أن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد تغيير النظام، وأن أي نظام دستوري، أياً كان شكله، يبقى رهناً بقدرة المجتمع على إنتاج مواطن يضع الدولة فوق الانقسامات، ومؤسسات تجعل من الدستور ممارسة يومية، لا مجرد نصوص جامدة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك