
مدير التحرير
سلامٌ يُصنع… أم يُجهَض؟
خاص بوابة بيروت
لم يعد خافيًا على أحد أنّ الشرق الأوسط على أعتاب إعادة تشكيله سياسيًّا، وديموغرافيًّا، واجتماعيًّا، وجغرافيًّا، لتصحيح المسار الخاطئ الذي أنتجته سايكس – بيكو، وكبّدت الشرق الأوسط صراعًا تجاوز عمره القرن من عمر هذه الأوطان التي لم يرقَ معظمها إلى درجة الدّول الفاعلة والثابتة والمستقرّة.
وفي هذه اللحظة المصيريّة بالذات، يزور الرئيس اللبناني العماد جوزف عون البيت الأبيض ليلتقي بالمهندس الأكبر. زيارةٌ ليست بروتوكوليّة، بل تأتي على أعتاب منطقة تغادر مرحلة الحروب المفتوحة لتدخل زمن التسويات الكبرى، التي تُكتب شروطها بعد الميدان لا قبله.
لقد انتقلت المنطقة من مرحلة إدارة الأزمات إلى محاولة الاستثمار في نتائجها سياسيًّا، على وقع تحويل الإنجازات العسكريّة التي تحقّقها بضرب المشروع الإيراني وأذرعه في المنطقة إلى ترتيبات استراتيجيّة مستدامة. ومدخلها السلام الذي تمّ تأجيله ثمانية عقود تقريبًا، تمهيدًا لمرحلة اقتصاديّة استثماريّة، يصبح فيها من ينجح في السيطرة عليها لاعبًا أساسيًّا في السياسة الدوليّة، من بوابة مصادر الطاقة البديلة للنفط.
ولبنان في صلب هذه المرحلة، لكن تبقى الخشية بشأن إرادة الدولة وقدرتها. فهل ستكرّر ما اعتادت عليه منذ عقود في احترافها تقنية إضاعة الفرص التاريخيّة؟
من إدارة الحرب إلى هندسة السلام
يندرج اللقاء الذي جمع فخامة الرئيس مع وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو في إطار البحث في جدولتين:
– جدولة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلّتها إسرائيل.
– جدولة نزع سلاح منظّمة حزب الله، وأيّ سلاح غير شرعي في لبنان.
هذا اللقاء، بحسب ما تسرّب من واشنطن، شكّل جلسةً لصياغة الخطوط العريضة لتسوية لبنانية – إسرائيلية تريدها واشنطن أداة اختبار لفرص نجاحها. وهذا ما يعتبره الرئيس ترامب تحدّيًا شخصيًّا لجعل هذه التسوية، ما قبل الكبرى، ورقةً رابحةً يستعملها في انتخاباته النصفية.
فلقاء الثلاثاء مع الرئيس ترامب سيضع فخامة الرئيس المطالب اللبنانية المشروعة على طاولة الرئيس ترامب، من استكمال الانسحاب الإسرائيلي، إلى دعم الجيش اللبناني، وتفعيل آليات الرقابة الدوليّة، وصولًا إلى المطلب الأهم، الذي يكمن في دعم العهد الجديد لاستعادة القرار الأمني إلى مؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن مطالبة لبنان بانسحاب إسرائيلي كامل تصبح أكثر قوّة، كلما استطاعت الدولة أن تقدّم الضمانة المقابلة: احتكارها وحدها للسلاح، وقرار الحرب والسلم، وسيادتها الكاملة على أراضيها.
فيما يبدو فخامة الرئيس حازمًا في أجوبته حول تعهّدات حكومته، والعهد الذي يقود سفينة الخلاص إلى ميناء السلام. فمنذ لحظة انتخابه حمل مشروع احتكار السلاح بيد الدولة، وإرجاع المرجعيّة الأمنيّة إلى مؤسسات الدولة اللبنانيّة، وأولها مؤسسة الجيش اللبناني.
ففخامة الرئيس، على ما يبدو، هو الذي بات يسيّر أجندة المجتمع الدولي على إيقاعه. فلم يعد يكتفي بإعلان النوايا، بل بات معلومًا في الصحافة اللبنانيّة أنّ فخامته يحمل إلى واشنطن خطةً واضحةً بمواعيد زمنيّة محددة، ولو أنّها لم تظهر بعد للملأ. ولا يبدو أنّ للتراجع موضعًا في الأجندة اللبنانية.
فالتجارب التي مرّ بها لبنان قدّمت الدرس الأكثر قسوة. فمنذ اتفاق القاهرة عام 1969، مرورًا باتفاق الطائف عام 1989، وصولًا إلى القرار 1701 عام 2006، لم تكن الأزمة يومًا في النصوص، بل في الالتفاف على تطبيق هذه النصوص.
لذلك كلّه، تضع واشنطن اليوم بيروت أمام امتحان مصيري عنوانه استخلاص العبر من التاريخ. فهل سيعيد العهد إنتاج حلقات التأجيل والوعود نفسها؟
زخمٌ لا يدوم طويلًا
الهدف الأكبر يكمن، في ما يُشاع، أولًا بإضعاف إيران وتحجيمها، بينما لم يعد خافيًا أيضًا أنّ نتيجة هذه الضربات الأميركية على إيران ستؤدّي إلى عملية إنهاكٍ داخليّ للنظام الإيراني. ولعلّ هذا ما يراهن عليه الرئيس ترامب لإسقاط النظام. لكن تبقى الإشكالية في إيران، بعدم وجود معارضة فاعلة وقادرة لتكون البديل، نتيجة تعدّد الجبهات الداخلية. غير أنّ ذلك سيفتح الباب أمام فريقٍ معارضٍ لن يستنسخ تجارب شاه الماضي ولا ملالي الحاضر. فالشعب الإيراني متعطّش إلى التحرّر، ويقيننا أنّه سيتحرّر.
وإذا نظرنا إلى مرآة التاريخ، رأينا أنّ نهضة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن بسبب صمت المدافع وإطفاء محرّكات الطائرات، بل لأن مشروع مارشال حوّل النصر العسكري إلى مشروع لإعادة بناء الدولة والاقتصاد والمؤسسات.
وكذلك اتفاقية دايتون عام 1995، التي لم تكتفِ بإيقاف حرب البوسنة، بل أرست منظومة تنفيذ وضمانات دولية حالت دون انهيار الاتفاق في أيامه الأولى. فالتاريخ يعلّمنا أنّ السلام لا يولد من وقف إطلاق النار وحده، بل من قيام دولة قادرة على حمايته.
فواشنطن، وسط هذه المرحلة، تنظر إلى لبنان بوصفه السلام الأقرب من سلسلة اتفاقاتٍ في المشهد الإقليمي الذي يتغيّر بسرعة تفوق سرعة البرق.
وربما تكون الضربات القاضية التي أشرنا إليها آنفًا على إيران وأذرعها في المنطقة قد أدّت إلى تراجعٍ كبيرٍ في دور منظمة “حزب الله”، بوصفها جزءًا من المنظومة الإقليمية الكبرى. وفي ما يبدو من تداعياتٍ على دور دول المنطقة، فإنّ لبنان سيكون، مع العراق، النموذج المفترض. وهذا ما يُنتظر من لقاء ترامب – عون.
لكنّ التاريخ يعلّمنا أيضًا أنّ الفرص الكبرى لا تنتظر المترددين. فحذارِ من التردد في التنفيذ، لأنّه سيؤدّي إلى الإطاحة بهذا المسار برمّته!
فعندما قرر الرئيس المصري أنور السادات الذهاب إلى القدس عام 1977، لم يكن يتحرّك انطلاقًا من تبدّل النيّات، بل من إدراكه أنّ موازين القوى تغيّرت بعد حرب أكتوبر، وأنّ الفرصة السياسية قد لا تتكرّر. وكما تكشف كتابات هنري كيسنجر، فإنّ النظام الدولي يعاقب الدول التي تعجز عن التكيّف مع التحولات الكبرى أكثر ممّا يعاقبها على أخطائها التكتيكية. ويوغوسلافيا، مثلًا، لم تتفكك لأنّ ميزان القوى العسكري اختلّ فقط، بل لأنّ قيادتها أصرت على إدارة عالم ما بعد الحرب الباردة بعقلية الحرب الباردة، فيما كانت القوى الدولية تؤسس لنظام مختلف تمامًا.
وهذا هو التحدي الذي يواجه لبنان اليوم. فإذا لم تجد واشنطن في بيروت شريكًا قادرًا على اتخاذ القرار، فإنّ هذا الزخم سيتبدّد، وسيعود لبنان إلى موقعه التقليدي: الانتظار على رصيف التسويات الدولية التي تفرضها موازين القوى.
السلام المرتقب: سلامٌ منطلقُه الشرعية المؤسساتية
سيبحث لقاء الثلاثاء في إمكان انتقال لبنان الدولة، وللمرة الأولى منذ عقود خلت، من إدارة الصراع، وفقًا لقواعد الاشتباك التي اعتاد عليها الغرب، إلى صناعة السلام الذي بات حاجة وطنية أكثر ممّا هو حاجة غربية. لكنّ هذا السلام لن يُصنع في البيت الأبيض وحده، بل في قصر بعبدا.
وذلك سيكون من بوابة تحوّل تعهّدات العهد إلى قرارات تنفيذية فور العودة إلى بيروت، والقرارات بدورها إلى سياسات استراتيجية، والسياسات إلى وقائع ميدانية. وعندها فقط تصبح السيادة ممارسةً يومية، لا مجرد خطابٍ يُلقى في المناسبات الوطنية.
لقد نجحت منظومة سايكس – بيكو، في جانبٍ منها، بجعل الناس يعتادون على منطق التسويات، فيما أثبتت التجربة الحقيقية التي نفّذتها كلٌّ من مصر والأردن أنّ التسوية لا تنجح بمجرد توقيعها، بل بوجود دولة فاعلة وقادرة على تنفيذ تعهّداتها.
وهذا هو السؤال الحقيقي الذي تحمله زيارة الرئيس جوزف عون إلى واشنطن: هل سينجح لبنان في تلقّف هذا المومنتوم التاريخي، ليصنع مستقبله انطلاقًا من تاريخه المجيد في الحفاظ على الوطن، واستنادًا إلى تجارب الآخرين في كيفية استدامة الحفاظ على هذا الوطن؟ أم يبقى احتمال إضافة هذه الفرصة إلى رصيد الفرص الضائعة قائمًا؟
الإجابة عن هذه المخاوف كلّها لن تُدرج في البيان المشترك الذي سيصدر، حتمًا، بعد اللقاء المرتقب يوم الثلاثاء.
ولا يمكن استشراف هذه الإجابة من تداعيات الضربات المتصاعدة على المحور بأكمله، بل ستكتبها الأيام التي ستلي عودة الرئيس إلى بيروت.
وعندها فقط سيتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وفيما إذا كان هذا السلام قد بدأت صناعته، أم أنّ مبضع الجرّاح يتطهّر لإجهاضه، خوفًا من أن يولد!
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير