افتحوا الخزائن… الكونغرس الأميركي وملف عائلة محمود عباس
"ج2" من الكونغرس إلى القضاء الأميركي.. عباس وعائلته تحت أسئلة الفساد والثروة والنفوذ
خاص بوابة بيروت
لم تعد الأسئلة المحيطة بشرعية محمود عباس وثروة عائلته ونفوذها الاقتصادي مجرد مادة يتداولها خصومه الفلسطينيون أو مسؤولون سابقون غادروا مواقعهم.
الملف دخل، وعلى فترات زمنية متباعدة، إلى محاضر رسمية للكونغرس الأميركي، بما يجعل من الصعب اختزاله في رواية خصم سياسي أو شهادة فردية يمكن إسقاطها بادعاء الكيد الشخصي.
وفي 21 مارس/آذار 2024، عقدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، خلال الدورة الثانية للكونغرس الـ 118، جلسة الاستماع الرسمية رقم S. HRG. 118–400 ، بعنوان: تنفيذ استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الفساد (Implementation of the U.S. Anti-Corruption Strategy) بحضور مسؤولين أميركيين مختصين بمكافحة الفساد والحوكمة، وفي مقدمتهم ريتشارد نيفيو Richard Nephew، منسق وزارة الخارجية الأميركية لمكافحة الفساد العالمي.
وعندما وصل الدور إلى السيناتور الجمهوري بيت ريكيتس Pete Ricketts، فتح ملف السلطة الفلسطينية بعبارة مباشرة: “لا يمكن أن نعقد جلسة عن الفساد إذا لم نتحدث عن السلطة الفلسطينية”.
ثم تحدث عن انتشار الفساد داخل السلطة، وعدّد من مظاهره المحسوبية والابتزاز والاختلاس، قبل أن ينتقل مباشرة إلى محمود عباس.
وقال ريكيتس: إن عباس، الذي قُدّم في البداية باعتباره إصلاحيًا، كان وقت انعقاد الجلسة في السنة العشرين من ولاية مدتها أربع سنوات، وهي الولاية الوحيدة التي انتُخب لها، متحدثًا عن ممارسته سلطة أوتوقراطية في الضفة الغربية لما يقارب عقدين.
لكن مداخلة ريكيتس تجاوزت أزمة الشرعية وغياب الانتخابات إلى المال وعائلة عباس.
فقد اتهم محمود عباس صراحة بأنه حوّل أموالًا عامة ومساعدات دولية لإثراء نفسه وعائلته — في إشارة إلى أولاده ياسر وطارق دون تسمية أسمائهم في محضر 2024 — ثم أشار إلى ما وصفه بكشف فلسطيني صدر عام 2020، قال إن مكتب عباس كان يحوّل بصورة منتظمة أموالًا من المساعدات الأوروبية إلى حسابات شخصية للرئيس.
وهنا تقتضي الدقة التأكيد أن هذه اتهامات أطلقها سيناتور أميركي وسُجلت رسميًا في محضر مجلس الشيوخ، وليست ادعاء اختلاس صادر عن أحد معارضي عباس!!
ثم وضع ريكيتس السؤال مباشرة أمام ريتشارد نيفيو: هل تعتبر السلطة الفلسطينية منظمة فاسدة؟
لم يتبنَّ المسؤول الأميركي هذا التوصيف، لكنه أكد أن إصلاح السلطة ومعالجة الفساد يمثلان جزءًا أساسيًا من الحوار الأميركي معها.
وعندما أعاد ريكيتس السؤال بصورة أكثر مباشرة وسأل إن كان الفساد يمثل مشكلة كبيرة داخل السلطة، وصف نيفيو الفساد بأنه “تحدٍ كبير” للسلطة الفلسطينية، وقال إنه يحتاج إلى المعالجة عبر الإصلاح وإعادة تنشيط المؤسسات.
وعندما سأله ريكيتس إن كانت المشكلة حديثة، أكد نيفيو أن الولايات المتحدة ترى مشكلات فساد داخل السلطة الفلسطينية منذ فترة طويلة.
ولم ينته الأمر عند الحوار الشفهي. ففي الأسئلة المكتوبة الرسمية الملحقة بمحضر الجلسة، عاد ريكيتس ليسأل وزارة الخارجية الأميركية بشكل مباشر: هل تورط مسؤولون في السلطة الفلسطينية، بمن فيهم الرئيس عباس، في الاختلاس؟ وهل تورطوا في المحسوبية؟
وفي قضية الاختلاس، لم تقدم الخارجية جوابًا يثبت تورط عباس، وإنما أكدت أنها تراقب وتوثق قضايا وأنشطة مرتبطة بالفساد وتتواصل مع مسؤولي السلطة بشأن الإصلاح ومكافحته.
أما بشأن المحسوبية، فجاء الرد أكثر تحديدًا، إذ قالت الخارجية إن تقاريرها وثقت أن مزاعم المحاباة والمحسوبية في التعيينات العامة واسعة الانتشار داخل السلطة الفلسطينية.
واللافت أن المحضر يكشف كذلك أنه، رغم هذا السجل من المخاوف والأسئلة، لم تكن الإدارة الأميركية قد فرضت خلال الفترة التي تناولتها الأسئلة عقوبات أو قيود تأشيرات على مسؤولين فلسطينيين بسبب فساد كبير.
وجاء الرد الرسمي للخارجية واضحًا بأن هذه الأدوات لم تُستخدم بحق مسؤولين فلسطينيين خلال تلك الفترة، مع تأكيد استمرار مراجعة المعلومات المتعلقة بالفساد.
لكن أهمية عبارة “محمود عباس وعائلته” الواردة في مداخلة ريكيتس عام 2024 تتضاعف عندما نعود ثلاثة عشر عامًا إلى الوراء، لأن سجلًا آخر للكونغرس الأميركي لم يكتفِ بالحديث عن «العائلة» بصورة عامة، بل سمّى نجلي محمود عباس، ياسر وطارق، بالاسم وناقش مصالحهما الاقتصادية وعقودهما.
في 14 سبتمبر/أيلول 2011، عقدت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي جلسة رسمية بعنوان:
“تعزيز السلام؟ إعادة النظر في المساعدات الأميركية للسلطة الفلسطينية – الجزء الثاني”
(Promoting Peace? Reexamining U.S. Aid to the Palestinian Authority, Part II)،
ضمن الكونغرس الـ 112، وحمل محضرها الرقم الرسمي Serial No. 112–68 .
وفي الشهادة المقدمة أمام اللجنة، وردت العبارة التالية صراحة:
“Abbas’ sons, Yasser and Tarek”
“نجلا عباس، ياسر وطارق”
ولم يرد الاسمان عرضًا. فقد جاء ذكرهما مباشرة تحت عبارة “مثال آخر على الفساد”، حيث قالت الشهادة إن ياسر وطارق عباس “راكما، وفقًا للتقارير، الثروة منذ تولي والدهما منصبه عام 2005” . ثم انتقلت إلى تفاصيل الأنشطة الاقتصادية للشقيقين.
وبحسب ما ورد في المحضر، كان ياسر عباس يملك شركة Falcon Tobacco التي قيل إنها تتمتع باحتكار مربح لتسويق سجائر أميركية الصنع، من بينها Kent وLucky، في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما ذكر المحضر أن شركة يملكها ياسر حصلت، وفقًا للتقارير، على 1.89 مليون دولار من USAID عام 2005 لبناء شبكة صرف صحي في مدينة الخليل، وأن شركة أخرى يملكها حصلت على نحو 300 ألف دولار إضافية من أموال USAID .
أما طارق عباس، فوصفه المحضر بأنه المدير العام لشركة Sky Advertising، وقال إن الشركة كانت تتلقى مئات آلاف الدولارات من USAID في إطار أعمال تستهدف تحسين صورة الولايات المتحدة في الأراضي الفلسطينية.
وأضاف أن الشركة حصلت أيضًا على عقد مربح من شركة الاتصالات Wataniya، التي كان شقيقه ياسر عضوًا في مجلس إدارتها، بحسب الشهادة ذاتها.
لكن أكثر ما يلفت النظر في محضر 2011 جاء بعد ذلك مباشرة. فالشهادة لم تكتفِ بعرض هذه المعلومات، بل قدمت إلى الكونغرس مجموعة توصيات، كان من بينها طلب إجراء تحقيق في ثروة محمود عباس ونجليه ياسر وطارق لتحديد ما إذا كانت أموال أميركية قد ساهمت في تكوين ممتلكاتهم.
وجاءت العبارة حرفيًا:
“conduct an inquiry into the wealth of Mahmoud Abbas and his sons Yasser and Tarek, to determine whether U.S. funds have contributed to their holdings”
وهنا تحديدًا تتضح أهمية قراءة المحضرين معًا.
في 2011، سُمّي ياسر وطارق عباس صراحة في سجل رسمي للكونغرس، وعُرضت تفاصيل عن شركاتهما وعقود ممولة بأموال USAID، وطُلب التحقيق في ثروة الأب ونجليه لمعرفة ما إذا كانت الأموال الأميركية قد ساهمت في ممتلكاتهم.
وبعد ثلاثة عشر عامًا، في 2024، عاد اسم محمود عباس إلى لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وهذه المرة ضمن اتهام بتحويل أموال عامة ومساعدات دولية لإثراء «نفسه وعائلته»، فيما أقر مسؤول مكافحة الفساد في الخارجية الأميركية بأن الفساد يمثل تحديًا كبيرًا وطويل الأمد داخل السلطة الفلسطينية.
هذا التسلسل يثبت شيئًا لا يمكن إنكاره: أن الأسئلة الأميركية الرسمية المتعلقة بثروة محمود عباس وعائلته ونفوذها المالي لم تظهر اليوم، بل تمتد في السجل البرلماني الأميركي لأكثر من عقد، وأن ياسر وطارق كانا قد سُمّيا صراحة في هذا السجل منذ عام 2011 وتم الإشارة لهما في محضر 2024.
وعندما نضع ذلك إلى جانب الواقع السياسي الحالي — رئيس بقي في السلطة بعد انتهاء الولاية التي انتُخب لها من دون انتخابات رئاسية جديدة، وابنان دخلت ثروتهما ومصالحهما الاقتصادية إلى محاضر الكونغرس الأميركي بالاسم، ثم صعود ياسر عباس لاحقًا من عالم الأعمال إلى قلب القيادة السياسية لحركة فتح وإمساكه بملفات خارجية حساسة — فإن القضية تتجاوز منذ زمن حدود العلاقة الطبيعية بين أب وابنيه.
إنها تصبح سؤالًا مشروعًا عن تداخل العائلة بالسلطة والمال والنفوذ: أين تنتهي مؤسسة الرئاسة وتبدأ مصالح الأسرة؟ أين تنتهي التجارة الخاصة ويبدأ أثر النفوذ السياسي؟ ومن يضمن أن القوة السياسية لا تتحول إلى بوابة للقوة الاقتصادية، أو أن القوة الاقتصادية لا تعود بدورها لتصبح طريقًا إلى القرار السياسي؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
