التحول الرقمي في لبنان… عندما يصبح الحق أسرع من الواسطة

شاركت السبت الماض في مؤتمر LEBTECH 2026 في فندق Le Royal في ضبية عدد كبير من شركات التكنولوجيا والشركات الناشئة والخبراء، لعرض أحدث الابتكارات والحلول والخدمات التي يمكن أن توضع في خدمة مؤسسات القطاعين العام والخاص، كما المدارس والجامعات ومختلف القطاعات الإنتاجية.

وبينما كنت أتابع ما يُعرض وأستمع إلى النقاشات، كان السؤال الذي يشغلني أبعد من التكنولوجيا نفسها: متى تتحول كل هذه الابتكارات من مشاريع وخطط ومنصات إلى تغيير حقيقي يشعر به المواطن اللبناني في حياته اليومية؟

استمعت باهتمام إلى مداخلتي وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية الدكتور فادي مكي، ووزير المهجرين ووزير الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي الدكتور كمال شحادة، حول التحول الرقمي، والهوية الرقمية، وربط إدارات الدولة، وتطوير الخدمات الإلكترونية، والأمن السيبراني وبناء القدرات الرقمية.

ومن بين ما استوقفني أن مشروع التحول الرقمي المطروح اليوم تدعمه خطة بقيمة 150 مليون دولار بتمويل من البنك الدولي، تشمل تطوير البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني وتحديث الأطر القانونية ورقمنة الخدمات العامة ذات الأولوية. كما طُرح هدف طموح يتمثل في الوصول إلى إتاحة نحو 80% من الخدمات الحكومية رقميًا خلال خمس سنوات.

هذه أرقام وأهداف تستحق الاهتمام، ولكنها أيضًا تضع أمامنا مسؤولية أكبر: أن نتابع التنفيذ، لا أن نكتفي بالإعلان.

فلبنان، في الحقيقة، لا تنقصه الاستراتيجيات. لدينا من الخطط والدراسات والمشاريع ما يكفي لبناء أكثر من دولة. مشكلتنا التاريخية كانت، وما زالت، في الانتقال من الاستراتيجية إلى التنفيذ، ومن الإعلان إلى الاستمرارية، ومن المبادرات المرتبطة بالأشخاص إلى مؤسسات تعمل مهما تبدلت الحكومات والوزراء.

وهنا، بالنسبة إليّ، تكمن الأهمية السياسية الحقيقية للتحول الرقمي.

فنحن لا نتحدث فقط عن توفير بضع ساعات على مواطن يريد إخراج قيد أو سجلًا عدليًا أو تصديق شهادة أو إنجاز معاملة. نحن نتحدث عن إمكانية تغيير العلاقة نفسها بين المواطن والإدارة.

كل معاملة تصبح رقمية وقابلة للتتبّع، وكل رسم يصبح معلنًا، وكل طلب يُسجّل بوقت وتاريخ واضحين، يعني مساحة أقل للاستنسابية. وكلما قلّ الاحتكاك غير الضروري بين المواطن والإدارة، تقلّ معه الحاجة إلى السؤال اللبناني الشهير: «مين منعرف لتمشي المعاملة؟»

وهنا قد تصبح المكننة واحدة من أهم أدوات مكافحة الفساد والمحسوبيات في لبنان.

بالطبع، التكنولوجيا وحدها لن تقضي على الفساد. الفساد يحتاج إلى قضاء مستقل، ومحاسبة ورقابة وإرادة سياسية. لكن الرقمنة تستطيع أن تغلق الكثير من الأبواب الصغيرة التي يتسلل منها الفساد اليومي: الواسطة، تعطيل المعاملة، فقدان الملف، اختلاف الإجراءات بين مواطن وآخر، أو القدرة على تأخير حق إنسان بقرار شخصي.

والسؤال الأبسط: لماذا لا تزال الدولة تطلب من المواطن مستندًا أصدرته هي أصلًا؟ لماذا نحمل إخراج القيد من إدارة إلى أخرى، فيما تستطيع مؤسسات الدولة، ضمن ضوابط صارمة لحماية الخصوصية، أن تتبادل المعلومات إلكترونيًا؟

الدولة الحديثة لا يجب أن تجعل المواطن ساعي بريد بين مؤسساتها.

ولكن الرقمنة تحمل مسؤولية مقابلة لا تقل أهمية. فعندما تضع الدولة هويات المواطنين وبياناتهم ومعاملاتهم في الفضاء الرقمي، تصبح حماية البيانات والأمن السيبراني مسألة سيادة وطنية، لا مجرد تفصيل تقني. فلا دولة رقمية حقيقية من دون قوانين تحمي الخصوصية، وبنية أمنية تحمي المعلومات، ومحاسبة واضحة لمن يسيء استخدامها.

أما القطاع الخاص، فهو شريك أساسي في هذه الرحلة. وما شاهدناه اليوم يؤكد أن في لبنان شركات وكفاءات وشبابًا قادرين على الابتكار والمنافسة. المطلوب أن تتكامل خبرة القطاع الخاص والجامعات مع مسؤولية الدولة، وأن تتحول التكنولوجيا إلى اقتصاد منتج وفرص عمل، ومساحة تسمح للشباب اللبناني ببناء مستقبله في وطنه بدل أن نستمر في تصدير أفضل عقولنا إلى الخارج.

خرجت من المؤتمر بشيء من التفاؤل، ولكن أيضًا بسؤال لا بد أن يبقى حاضرًا:

هل نملك هذه المرة الإرادة السياسية لنكمل الطريق؟

لقد تعب اللبناني من سماع كلمة «مشروع». يريد نتيجة يلمسها في حياته. يريد إدارة تحترم وقته وكرامته، ومؤسسات تتحدث مع بعضها بدل أن ترسله من باب إلى باب، ودولة لا يحتاج فيها إلى معرفة أحد كي يحصل على حقه.

التحول الرقمي ليس رفاهية، وليس موقعًا إلكترونيًا جديدًا، ولا واجهة جميلة لدولة عصرية. إنه إصلاح إداري، وأداة لمكافحة الفساد، وحماية للمال العام، ومدخل لاستعادة ثقة المواطن بالدولة.

ولعل أجمل صورة للدولة التي نحلم بها ليست الدولة التي تمتلك أحدث التكنولوجيا، بل الدولة التي يستطيع فيها المواطن أن ينجز معاملته من دون طابور، ومن دون إذلال، ومن دون واسطة.

فعندما يصبح الحق أسرع من الواسطة… نكون فعلًا قد بدأنا ببناء الدولة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك