باريس بين بريق العطور ورائحة الأزمات… من يحاسب السلطة؟

عندما تقع اضطرابات في فرنسا، يسارع البعض إلى تحميل المهاجرين العرب والأفارقة المسؤولية، وكأن جميع الأزمات تبدأ بهم وتنتهي عندهم. وهذا تعميم لا يصلح أساسًا لتحليل سياسي أو اجتماعي جاد. المحاسبة يجب أن تقوم على أفعال محددة وأدلة واضحة، لا على الأصل أو الجنسية أو الخلفية العائلية. فمن يرتكب جريمة يُحاسَب وفق القانون، مهما كانت هويته، ومن يؤدي واجبه لا يجوز تحميله مسؤولية أفعال الآخرين...

خاص بوابة بيروت

ليست كل صورة نراها عن الغرب حقيقة كاملة، وليست كل أزمة تقع في فرنسا مسؤولية المهاجرين العرب والأفارقة، كما يحاول البعض تصوير الأمور. فبين نقد سلوك فرد وتحميل جماعات بأكملها مسؤولية إخفاقات الدولة فرق جوهري، وبين صورة باريس اللامعة وواقع الحياة اليومية فيها أسئلة تستحق النقاش والمساءلة.

كثير من الفرنسيين من أصول عربية وأفريقية وُلدوا في فرنسا، وتعلّموا فيها، ويعيشون فيها بوصفهم مواطنين وجزءًا من المجتمع الفرنسي. لذلك، فإن اختزال المشكلات الاجتماعية والأمنية في ملف الهجرة وحده لا يفسّر أسباب الأزمات، ولا يعفي المؤسسات السياسية والإدارية من مسؤولياتها.

وفي المقابل، لا ينبغي التعامل مع الغرب باعتباره نموذجًا بلا عيوب، أو اعتبار الانتقاد الموجّه إلى دولة أوروبية انتقاصًا من شعبها. فالدول تُقاس أيضًا بقدرتها على توفير الخدمات العامة، وصيانة المرافق، وضمان جودة التعليم، والاستجابة لمطالب المواطنين، ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات.

باريس، عاصمة الأزياء والموضة والعطور، تواجه بدورها تحديات في النظافة العامة وانتشار القوارض. وبلدية باريس نفسها تقرّ بوجود المشكلة، وتقول إنها تنفذ أكثر من سبعة آلاف عملية سنويًا للحد من انتشار الجرذان في الأماكن العامة، ضمن خطة لمكافحتها أُطلقت عام 2017. وهذا لا يعني أن المدينة بأكملها غارقة في النفايات، لكنه يوضح أن حتى المدن الكبرى ذات الإمكانات العالية تواجه مشكلات خدمية تتطلب متابعة مستمرة.

فالتقدم لا يُقاس ببريق واجهات المتاجر وحده، بل أيضًا بجودة الخدمات التي يحصل عليها المواطن، وبقدرة المؤسسات على معالجة المشكلات التي تمس حياته اليومية.

المزارعون والجرّارات: حين يصل الغضب إلى أبواب السلطة

ليست الاحتجاجات الفرنسية الراهنة ظاهرة جديدة، ولا هي محصورة بالطلاب أو المهاجرين. فمنذ سنوات، يستخدم الفرنسيون التظاهر والإضراب والضغط الميداني للتعبير عن اعتراضهم على السياسات الحكومية، سواء تعلّق الأمر بالضرائب أو تكاليف المعيشة أو شروط العمل أو الخدمات العامة.

في كانون الثاني 2024، شهدت فرنسا تحركات واسعة للمزارعين الذين استخدموا مئات الجرّارات لإقامة حواجز على الطرق المؤدية إلى باريس، في محاولة للضغط على الحكومة بشأن مستقبل القطاع الزراعي. وارتبطت مطالبهم بارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، وصعوبة تحقيق عائد مجزٍ من الإنتاج، والقيود الإدارية، والمنافسة من الواردات.

ووثّقت وكالة أسوشيتد برس في 29 كانون الثاني 2024 تطويق مداخل العاصمة بالحواجز الزراعية، في تحرك وصفه المزارعون بأنه حصار لباريس بهدف انتزاع تنازلات من الحكومة.

وتكررت مشاهد التصعيد في الأول من تشرين الأول 2026، عندما توجّه مزارعون بجرّاراتهم إلى مركز للضرائب في غويانكور، قرب باريس، وألقوا أمامه السماد الطبيعي والقش ومخلّفات الخشب، كما رُشّت واجهة المبنى بسائل لم تُحدّد طبيعته في التقارير الأولية. وجاء التحرك احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود الزراعي، وسط مطالب بتخفيف الأعباء عن المزارعين.

هذه المشاهد ليست دعوة إلى الفوضى، ولا تبريرًا للاعتداء على الممتلكات العامة، بل تذكير بأن الاحتجاج الاجتماعي في فرنسا له تاريخ طويل، وأن المواطنين لا يترددون في نقل خلافهم مع السلطة إلى الشارع عندما يشعرون بأن مصالحهم مهددة أو أن مطالبهم لم تلقَ الاستجابة المطلوبة.

لكن السؤال الأهم هو: هل تكفي التنازلات المؤقتة لاحتواء الغضب، أم أن المطلوب مراجعة السياسات التي أنتجت الأزمة، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة من أخفق في إدارة الملف؟

الطلاب والمدارس: ثلاثة أسابيع من الغضب قبل اتساع الاحتجاجات

في أواخر أيلول 2026، بدأت موجة من الاحتجاجات الطلابية في ضواحي باريس، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى من فرنسا. وتمحورت المطالب حول نقص المعلمين، واكتظاظ الصفوف، وتدهور بعض الأبنية المدرسية، ونقص الموارد التعليمية.

وفي تقرير نشرته رويترز في 3 تشرين الأول 2026، تناولت الوكالة توسّع الحركة الطلابية من ضواحي باريس إلى مدارس في أنحاء البلاد، مع شكاوى من ظروف تعليمية غير ملائمة وفوارق في مستوى الخدمات بين المناطق.

ثم اتسعت الاحتجاجات في 17 تشرين الأول، لتشمل طلابًا ونقابات وعاملين وفئات اجتماعية مختلفة، وسط مطالب تتعلق بتكاليف المعيشة والخدمات العامة والإنفاق الحكومي.

هذه الوقائع تفرض سؤالًا لا يمكن تجاهله: كيف تصل مدارس في دولة متقدمة إلى مرحلة يخرج فيها طلابها إلى الشوارع للمطالبة بمعلمين وأبنية صالحة للتعليم؟

ليس كل نقص في الموارد دليلًا على فساد، ولا كل احتجاج برهانًا على فشل شامل للدولة. لكن استمرار المشكلات، وتكرار الشكاوى، وعدم تقديم حلول ملموسة، كلها أمور تستوجب مساءلة الجهات المعنية عن قراراتها وأولوياتها.

فالتعليم ليس بندًا ثانويًا في الموازنة، بل استثمار في مستقبل المجتمع. وعندما يعاني الطالب من نقص المعلمين أو تردّي البيئة التعليمية، فإن المسؤولية لا تقع عليه، بل على المؤسسات المكلفة بضمان حقه في التعليم.

هل كان العنف هو الذي أجبر السلطة على الإصغاء؟

هنا يجب التمييز بين حقيقة موثّقة واستنتاج سياسي يحتاج إلى الحذر.

في 17 تشرين الأول 2026، شهدت فرنسا تظاهرات واسعة، وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألفًا، فيما رفعت تقديرات نقابية العدد إلى نحو 800 ألف. وجاءت التحركات في سياق غضب اجتماعي مرتبط بتكاليف المعيشة وتراجع بعض الخدمات العامة وظروف التعليم.

وبحسب رويترز، وقعت أعمال عنف وتخريب ونهب في عدد من المدن، واستُهدفت مبانٍ عامة ومحال تجارية، فيما أعلنت السلطات توقيف نحو 1200 شخص خلال تلك الأحداث، وأُفيد بإصابة أكثر من 150 عنصرًا من الشرطة.

قد تدفع مشاهد العنف الأزمة إلى واجهة الإعلام، وقد تفرض على الحكومة التعامل مع وضع أمني لا يمكن تجاهله. لكن ذلك لا يثبت أن العنف هو الذي جعل مطالب المحتجين مسموعة، ولا يبرر الاعتداء على الأشخاص والممتلكات.

بل إن العنف قد يحجب المطالب الأصلية، ويحوّل النقاش من مشكلات التعليم والمعيشة والخدمات إلى المواجهات الأمنية والتخريب.

وفي المقابل، لا يجوز للسلطة أن تتعامل مع كل المحتجين باعتبارهم مخربين، أو أن تستخدم أعمال أفراد لتجاهل مطالب آلاف المواطنين الذين يعبّرون عن اعتراضهم سلميًا.

المطلوب دولة تسمع قبل انفجار الغضب، وتحاسب من يخرق القانون، وتراجع سياساتها حين تثبت الوقائع أنها لم تحقق أهدافها.

الهجرة ليست شماعة جاهزة لإعفاء المسؤولين

عندما تقع اضطرابات في فرنسا، يسارع البعض إلى تحميل المهاجرين العرب والأفارقة المسؤولية، وكأن جميع الأزمات تبدأ بهم وتنتهي عندهم. وهذا تعميم لا يصلح أساسًا لتحليل سياسي أو اجتماعي جاد.

المحاسبة يجب أن تقوم على أفعال محددة وأدلة واضحة، لا على الأصل أو الجنسية أو الخلفية العائلية. فمن يرتكب جريمة يُحاسَب وفق القانون، مهما كانت هويته، ومن يؤدي واجبه لا يجوز تحميله مسؤولية أفعال الآخرين.

وبالمعيار نفسه، لا يمكن تفسير تراجع خدمة عامة أو نقص المعلمين أو ارتفاع تكاليف الإنتاج بمجرد الإشارة إلى المهاجرين. فهذه ملفات تتعلق بالسياسات الحكومية والتمويل والإدارة والاقتصاد، ويجب فحص كل منها على حدة.

إن تحويل الهجرة إلى تفسير شامل لكل مشكلة يريح المسؤولين من مواجهة الأسئلة الأصعب: ما الذي أنجزته الحكومة؟ هل وُزعت الموارد بكفاءة؟ هل كانت القرارات مناسبة؟ وهل جرى تقييم نتائجها وتصحيح الأخطاء عند ظهورها؟

لا تبرئة مسبقة لأحد، ولا اتهام جماعي لأحد. هناك قانون، ووقائع، ومسؤوليات يجب تحديدها ومحاسبتها.

فرنسا أمام اختبار المحاسبة السياسية

تكتسب هذه الاحتجاجات أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 18 نيسان 2027 للدورة الأولى، و2 أيار 2027 للدورة الثانية.

فالانتخابات ليست مجرد منافسة بين أسماء وشعارات، بل فرصة لمراجعة أداء السلطة، ومناقشة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، ومساءلة المرشحين عن برامجهم وقدرتهم على تحويل الوعود إلى نتائج.

ومن هنا، يجب ألا تبقى الاحتجاجات مجرد موجة غضب تنحسر بعد أيام، ثم تعود الأسباب نفسها لتنتج أزمة جديدة. المطلوب أن تتحول المطالب إلى برامج واضحة، وأن يُسأل كل مسؤول عن حصيلة أدائه، وأن تُقاس السياسات بنتائجها الفعلية، لا بما يرافقها من حملات إعلامية.

وعلى البرلمان ممارسة دوره الرقابي، وعلى المؤسسات المختصة التحقيق في المخالفات، وعلى الحكومة توضيح أولويات الإنفاق العام، وتقديم بيانات قابلة للتحقق عن مستوى الخدمات والإنجازات والإخفاقات.

أما المواطن، فله الحق في مراقبة السلطة، والتظاهر السلمي، ومطالبة ممثليه بالإجابات، ثم اتخاذ موقفه الانتخابي بحرية.

لا يعني ذلك أن صندوق الاقتراع يحل وحده جميع المشكلات، أو أن كل إخفاق إداري يستوجب تغيير الحكومة فورًا. لكنه يوفّر إحدى أهم أدوات المحاسبة الديمقراطية، ويمنع تحويل السلطة إلى امتياز دائم منفصل عن إرادة المواطنين.

من بريق الصورة إلى حقيقة الأداء

ليس الهدف من الحديث عن باريس مهاجمة فرنسا أو التقليل من إنجازاتها، كما أنه ليس المطلوب تبرير العنف أو التقليل من مسؤولية من يرتكب التخريب. الهدف هو اعتماد معيار واحد في تقييم الدول: لا حصانة من النقد، ولا إعفاء من المساءلة، ولا يجوز أن تتحول السمعة الدولية إلى ستار يحجب مشكلات الداخل.

فالمدينة التي تُعرف بالعطور والأزياء مطالبة أيضًا بصيانة شوارعها، والدولة التي تفخر بتقاليدها الديمقراطية مطالبة بالإصغاء إلى طلابها ومزارعيها وعمالها، والحكومة التي تتحدث باسم الشعب مطالبة بتقديم كشف حساب له.

الاحتجاج يرفع الصوت، والمحاسبة تكشف المسؤوليات، وصندوق الاقتراع يمنح المواطن فرصة ترجمة موقفه إلى قرار سياسي.

على الفرنسيين أن يسألوا حكومتهم عن نتائج قراراتها، وأن يطالبوا بإصلاحات قابلة للقياس، وأن يحاسبوا المقصّرين عبر المؤسسات والقانون والانتخابات. وعلى كل مسؤول أن يدرك أن المنصب ليس حصانة، وأن الوعود لا تعفيه من تقديم الحساب.

فلا المهاجر شماعة لكل أزمة، ولا العنف طريق مشروع لفرض المطالب، ولا بريق باريس دليل على خلوّها من المشكلات، ولا السلطة فوق المحاسبة.

الديمقراطية ليست أن ينتخب الشعب من يحكمه فحسب، بل أن يمتلك القدرة على مراقبته ومساءلته وتغيير خياراته عبر صناديق الاقتراع.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك