ملف أمين سلام يهزّ نقابة خبراء المحاسبة… إيلي عبود أمام محكمة الجنايات

تكتسب القضية بُعدًا مهنيًّا إضافيًّا لأن إيلي عبود لا يشغل موقعًا عاديًّا في قطاع المحاسبة، بل يتولى رئاسة نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان. وهذه الصفة تفرض طرح أسئلة جدية عن مسؤولية النقابة في حماية معايير النزاهة والاستقلالية والشفافية التي يفترض أن تقوم عليها مهنة التدقيق والمحاسبة...

خاص بوابة بيروت

تطوّر ملف وزير الاقتصاد السابق أمين سلام قضائيًّا مع إحالة القضية إلى محكمة الجنايات وصدور مذكرات إلقاء قبض بحق سلام وشقيقه كريم سلام ونقيب خبراء المحاسبة المجازين في لبنان إيلي جورج عبود. ويعيد هذا التطور طرح أسئلة تتجاوز مصير المدعى عليهم إلى مسؤولية المؤسسات المهنية، وفي مقدمتها النقابة التي يتولى عبود رئاستها، عن حماية سمعة المهنة وصون ثقة المواطنين بها.

من التحقيقات إلى محكمة الجنايات

تعود القضية إلى تحقيقات تناولت شبهات مالية وإدارية مرتبطة بعمل وزارة الاقتصاد خلال تولّي أمين سلام الوزارة، ولا سيما ملفات وعقود تتصل بشركات التأمين وأعمال التدقيق المالي. وشملت الادعاءات التي تداولتها التقارير القضائية والإعلامية شبهات اختلاس وهدر المال العام، والتزوير، وابتزاز شركات التأمين، وتقاضي رشى، والإثراء غير المشروع.

في 11 حزيران 2025، أوقف سلام على خلفية التحقيقات، فيما تناولت الإجراءات القضائية شقيقه كريم سلام ومستشارين وأطرافًا أخرى. وفي 10 تموز من العام نفسه، ختم قاضي التحقيق الأول في بيروت بالإنابة بلال حلاوي تحقيقاته في أحد مسارات الملف، وأحال الأوراق إلى النيابة العامة المالية لإبداء مطالعتها. آنذاك ترك القاضي إيلي عبود وفادي تميم بسندي إقامة، في مرحلة من مراحل التحقيق.

لاحقًا، طلبت النيابة العامة المالية إحالة أمين سلام ومستشاره المالي فادي تميم وإيلي عبود إلى المحاكمة، على خلفية اتهامات شملت هدر الأموال العامة والتزوير والإثراء غير المشروع والابتزاز. وأظهرت التغطية المنشورة في آب 2025 وجود تباين بين مطالعة النيابة العامة ومسار التحقيق الذي سبقها، ما يعكس تعقيدات الملف وتعدد مراحله.

وفي 2 تشرين الأول 2026، قاضي التحقيق الأول في بيروت، القاضية رلى عثمان، أصدرت قرارها الظني بإحالة أمين سلام وشقيقه كريم سلام وإيلي جورج عبود إلى محكمة الجنايات، وشملت الإحالة أيضًا شركة التدقيق UHY Andy Bryan. ثم أُعلن في 29 تشرين الأول أن الهيئة الاتهامية في بيروت، برئاسة القاضي كمال نصار، أحالت الملف إلى محكمة الجنايات وأصدرت مذكرات إلقاء قبض بحق الأشخاص المذكورين.

السؤال الذي يتجاوز الأشخاص إلى النقابة

تكتسب القضية بُعدًا مهنيًّا إضافيًّا لأن إيلي عبود لا يشغل موقعًا عاديًّا في قطاع المحاسبة، بل يتولى رئاسة نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان. وهذه الصفة تفرض طرح أسئلة جدية عن مسؤولية النقابة في حماية معايير النزاهة والاستقلالية والشفافية التي يفترض أن تقوم عليها مهنة التدقيق والمحاسبة.

إذا انتهت المحاكمة إلى إثبات تورط النقيب عبود، فإن المسألة لن تقتصر على المسؤولية القانونية الشخصية، بل ستتصل أيضًا بمدى قدرة النقابة على صون ثقة المجتمع بالمهنة، وبكيفية تعامل مؤسساتها مع تضارب المصالح المحتمل، والرقابة المهنية، والمساءلة الداخلية. فالنقابة ليست ملكًا لشخص رئيسها، ولا يجوز اختزال سمعتها بمصيره القضائي، كما لا يجوز تجاهل أثر القضية على أعضائها الذين يلتزمون القواعد المهنية والأخلاقية.

هل تتحرك النقابة لحماية سمعتها؟

تطرح التطورات سؤالًا عمليًّا، ما الإجراءات التي يمكن أن تتخذها النقابة لضمان استمرار عملها بصورة مستقلة عن المسار القضائي لرئيسها؟ يبدأ الجواب من مراجعة نظامها الداخلي والقواعد القانونية المنظمة لعملها، وتحديد ما إذا كانت تتيح تدابير إدارية أو مسلكية مؤقتة، وكيفية تفعيلها وفق الأصول.

كما تبرز أهمية إصدار موقف مؤسسي واضح يشرح حدود صلاحيات النقابة في هذه المرحلة، ويؤكد التزامها القواعد الأخلاقية والمهنية، من دون التدخل في القضاء أو التأثير في مجريات المحاكمة. وقد يكون من المناسب، وفق ما تسمح به الأنظمة النافذة، بحث ضمانات الاستقلالية وتجنب تضارب المصالح، بما فيها آليات الرقابة الداخلية والبت في أي شكاوى مهنية ذات صلة.

المحاسبة لا تستثني حَمَلة المسؤولية

القضية تضع مبدأ المساءلة أمام اختبار حقيقي، لا تكفي الدعوة إلى الشفافية إذا لم تشمل المؤسسات المهنية نفسها، ولا يجوز في المقابل إصدار أحكام على الأشخاص قبل محاكمتهم. وبين هذين المبدأين، يقع واجب النقابة في حماية المهنة وأعضائها وسمعتها، وواجب القضاء في تحديد المسؤوليات على أساس الأدلة.

إذا تمت إدانة النقيب عبود، فستكون النقابة مطالبة بالتعامل مع النتائج وفق القانون ونظامها الداخلي، وبإثبات أن استمرار المؤسسة لا يرتبط بشخص واحد، وأن قواعد المحاسبة المهنية تسري على الجميع. مع بقاء الحاجة إلى حماية الثقة العامة بالمهنة.

الامتحان الحقيقي لا يتعلق بمصير إيلي عبود وحده، بل بقدرة نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان على إظهار استقلاليتها، وصون سمعتها، وتأكيد أن المسؤولية المهنية لا تتعارض مع قرينة البراءة، وأن لا أحد فوق القانون.

اخترنا لك