حين تُقصف المدن وتُغلق الممرات البحرية وتُستباح سيادة الدول : هل انهار القانون الدولي في حرب الشرق الأوسط أم أُسقط عمداً؟

الجزء الأول

خاص بوابة بيروت

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين أطراف إقليمية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى صمود القانون الدولي نفسه أمام منطق القوة. فمع اتساع الضربات العسكرية التي طالت إيران وإسرائيل ولبنان، ومع امتداد التوتر إلى العراق ودول الخليج والممرات البحرية الحيوية، بات المشهد الإقليمي أقرب إلى حرب متعددة الطبقات تشارك فيها قوى كبرى ودول إقليمية وتنظيمات مسلحة عابرة للحدود.


في البداية، حرب تتجاوز الجغرافيا وتختبر مصداقية النظام الدولي

هذه الحرب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بما تكشفه من تآكل واضح في منظومة القواعد التي يفترض أنها تنظّم النزاعات المسلحة. فاستهداف المرافق المدنية، والضربات التي تقع قرب مناطق سكنية، وتهديد التجارة العالمية عبر مضيق هرمز، وتوسيع العمليات العسكرية إلى دول مجاورة لإيران، كلها مؤشرات على أن المنطقة تعيش مرحلة تتراجع فيها قواعد القانون الدولي الإنساني لصالح حسابات الردع والانتقام والاستعراض العسكري.

وفي قلب هذا المشهد المعقد تقف عدة أطراف رئيسية تتحمل مسؤوليات متفاوتة في توسيع نطاق الصراع وفي تعريض المدنيين والمنشآت الحيوية للخطر.

الولايات المتحدة، القوة الأكبر ومسؤولية استخدام القوة

عندما تدخل الولايات المتحدة ساحة الحرب “سواء عبر الضربات العسكرية المباشرة أو من خلال المشاركة العملياتية والدعم العسكري الواسع” فإن ذلك يغيّر طبيعة الصراع بالكامل. فالولايات المتحدة ليست مجرد طرف إقليمي آخر، بل القوة العسكرية الأكبر في النظام الدولي، وهي الدولة التي ساهمت تاريخياً في صياغة جزء كبير من القواعد القانونية التي تنظّم استخدام القوة في العلاقات الدولية وتحدد حدودها.

لكن دخول واشنطن المباشر في العمليات العسكرية ضد أهداف داخل إيران يثير تساؤلات قانونية جوهرية. فميثاق الأمم المتحدة يضع قيوداً واضحة على استخدام القوة، ولا يسمح بها إلا في حالتي الدفاع عن النفس أو بقرار صريح من مجلس الأمن. وعندما تتحول الضربات العسكرية إلى عمليات واسعة النطاق داخل أراضي دولة أخرى، فإن السؤال القانوني يصبح أكثر إلحاحاً: هل جرى احترام حدود الضرورة والتناسب التي يفرضها القانون الدولي، أم أن العمليات تجاوزت إطار الرد الدفاعي لتدخل في نطاق التصعيد العسكري المفتوح؟

وتزداد هذه التساؤلات حساسية مع التقارير التي تحدثت عن أضرار أصابت مناطق مدنية خلال العمليات العسكرية، بما في ذلك تقارير إعلامية وإنسانية أشارت إلى استهداف منشآت قريبة من مرافق تعليمية، من بينها مدرسة في إحدى الضربات الأولى، وهو ما أدى “بحسب تلك التقارير” إلى سقوط ضحايا من الأطفال. مثل هذه الحوادث، إذا ثبتت صحتها، لا تمثل مجرد خطأ عسكري عابر، بل تثير شبهة انتهاك خطير لمبدأ حماية المدنيين الذي يعد أحد الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني.

إن كون الولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري العالمي يجعل مسؤوليتها القانونية والسياسية أكبر من غيرها، لأن أي خطأ في استخدام القوة “أو أي توسع غير منضبط في العمليات العسكرية” لا يبقى محصوراً في نطاق جغرافي ضيق، بل ينعكس مباشرة على الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي، فضلاً عن مصداقية النظام القانوني الدولي الذي ساهمت واشنطن نفسها في بنائه.

إسرائيل، من يوقف آلة الدمار حين تتحول الحرب إلى تدمير شامل بلا مساءلة؟

هنا يبرز سؤال لم يعد سياسياً فقط، بل قانونياً وأخلاقياً وإنسانياً: من الذي سيوقف آلة الدمار الإسرائيلية التي لم تكتفِ بتدمير واسع وغير مسبوق في غزة، بل وسّعت نمط الاستهداف ليطال دولاً مجاورة من سوريا إلى العراق إلى لبنان، مخلفة قتلى وجرحى ودماراً واسعاً وانتهاكات متكررة لسيادة الدول، فيما تستمر أيضاً في ترسيخ وقائع الاحتلال وفرض معادلات القوة بالنار لا بالقانون. فالمشكلة لم تعد في مجرد تنفيذ ضربات عسكرية عابرة للحدود، بل في تحول هذا السلوك إلى نهج متكرر ومعلن يقوم على توسيع ساحة الحرب، وإيقاع أكبر قدر من التدمير تحت عنوان مكافحة “التهديدات الأمنية” أو ملاحقة وكلاء إيران.

وفي الحالة اللبنانية تحديداً، تبدو الصورة أكثر فجاجة من الناحية القانونية والإنسانية. فإسرائيل تقول إنها تستهدف حزب الله وبناه العسكرية، لكن الوقائع الميدانية تظهر أن مساحات واسعة من لبنان خضعت لقصف متواصل، وأوامر إخلاء جماعية، وتوغلات برية، وتدمير لقرى ومرافق ومبانٍ مدنية، حتى باتت المقارنة التي يستخدمها المسؤولون الإسرائيليون أنفسهم مع ما جرى في غزة ذات دلالة خطيرة. فقد صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” بأن الجيش تلقى أوامر بتدمير ما وصفه بـ“البنية الإرهابية” في قرى الجنوب، رابطاً ذلك صراحةً بما فعلته إسرائيل في مدن غزة التي تعرضت لدمار واسع. كما شملت أوامر الإخلاء الإسرائيلية نحو 14% من مساحة لبنان، بينما وثقت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة مقتل المئات ونزوح مئات الآلاف، مع تحذيرات أممية من أن أوامر الإخلاء الواسعة تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

ولا يعني قول ذلك الدفاع عن حزب الله أو تبرئة دوره في جرّ لبنان إلى قلب الصراع. فالحزب يتحمل بدوره مسؤولية ثقيلة عن تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة اشتباك إقليمي، وعن الإضرار بسيادة الدولة اللبنانية وقرارها الوطني. لكن وجود تنظيم مسلح داخل بيئة مدنية لا يمنح إسرائيل صكاً مفتوحاً لتطبيق سياسة الأرض المحروقة، ولا يجيز لها أن تجعل من القرى والمدن والبنية التحتية المدنية حقلاً مشروعاً للقصف واسع النطاق. فالقانون الدولي الإنساني لا يسقط بمجرد أن العدو يختبئ بين السكان، بل يصبح في هذه الحالة أشد إلزاماً، لأن واجب التمييز والتناسب والاحتياط يتضاعف حين يكون المدنيون في قلب مسرح العمليات.

ومن الناحية القانونية، فإن المسألة تتجاوز توصيف “التجاوزات” أو “الأخطاء العملياتية”. فالقانون الدولي الإنساني، كما كرسته اتفاقيات جنيف والأعراف الدولية، يفرض على أي طرف محارب التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، ويحظر الهجمات غير المتناسبة أو تلك التي يُتوقع أن تُلحق بالمدنيين أضراراً مفرطة قياساً إلى المكسب العسكري المتوقع. كما أن استهداف البنية التحتية المدنية على نحو واسع، أو فرض أوامر نزوح جماعية، أو تدمير ظروف الحياة الأساسية للسكان، يمكن أن يثير مسؤوليات خطيرة بموجب القانون الدولي، ولا سيما إذا اتخذ طابعاً ممنهجاً ومتكرراً. أما إذا اقترن ذلك بخطاب رسمي ينزع الإنسانية عن السكان أو يدعو إلى سحقهم أو تهجيرهم أو التعامل معهم ككتلة معادية يجب تدميرها، فإننا ننتقل من مجرد النقاش حول جرائم الحرب إلى مجال أشد خطورة يتعلق بـالتحريض المباشر والعلني على الإبادة الجماعية.

وهنا تصبح التصريحات الرسمية الإسرائيلية جزءاً من المشهد القانوني، لا مجرد ضجيج سياسي. فقد خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في أيلول 2025 إلى أن كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حرّضوا على أعمال إبادة جماعية في غزة، واعتبرت أن تصريحاتهم تمثل دليلاً مباشراً على النية الإبادية، في سياق حملة وصفتها اللجنة بأنها ذات طابع تدميري ممنهج. كما أن محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت تدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وأمرت إسرائيل باتخاذ جميع التدابير لمنع الإبادة الجماعية ومنع ومعاقبة التحريض المباشر والعلني على ارتكابها. هذه ليست لغة ناشطين أو خصوم سياسيين، بل لغة مؤسسات قانونية ودولية عليا وضعت العالم أمام مسؤولياته.

وعندما تصمت القوى الكبرى، أو تكتفي ببيانات القلق، بينما تستمر آلة الحرب في هدم المدن وقتل المدنيين وفرض النزوح الجماعي وتجاوز حدود الدول، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بإسرائيل وحدها، بل بالنظام الدولي كله: ما قيمة القانون إذا كان يُطبَّق على الضعفاء ويُعلَّق عند أقوى الحلفاء؟ وما معنى الحديث عن حماية المدنيين إذا ظلت المجازر الواسعة والتدمير الشامل تمرّ بلا ردع حقيقي ولا محاسبة؟ إن أخطر ما في المشهد ليس فقط عدد الضحايا، بل اعتياد العالم على مشهد الإفلات من العقاب، وكأن تدمير غزة، وضرب لبنان، وتكرار الاعتداءات على سوريا والعراق، كلها أفعال يمكن استيعابها سياسياً مهما بلغت كلفتها البشرية.

إيران، سياسة النفوذ عبر الوكلاء ومسؤولية زعزعة الاستقرار الإقليمي واعتداءات تتجاوز الحدود

في المقابل، لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي بواقعية من دون التوقف عند الدور الذي لعبته إيران خلال العقود الماضية في بناء شبكة واسعة من الجماعات المسلحة الحليفة لها في عدة دول. فقد اعتمدت طهران استراتيجية تقوم على دعم وتمويل وتسليح تنظيمات عقائدية ومليشيات مسلحة خارج إطار الدول، الأمر الذي حوّل كثيراً من الصراعات في الشرق الأوسط إلى حروب بالوكالة تتجاوز الحدود الوطنية وتضع المجتمعات المحلية في قلب مواجهات إقليمية ودولية معقدة.

لقد امتد هذا النفوذ من لبنان عبر حزب الله الذي تحول إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة داخل الدولة اللبنانية، إلى العراق حيث نشأت جماعات مسلحة شيعية متعددة مرتبطة بمحاور إقليمية، وصولاً إلى اليمن حيث دعمت إيران جماعة الحوثيين التي انخرطت في حرب طويلة الأمد أدت إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما تشير تقارير أمنية ودولية إلى أن هذا الدعم لم يبق محصوراً في الشرق الأوسط، بل تجاوز حدوده في بعض الأحيان ليصل إلى شبكات وتحركات عابرة للقارات في إطار صراع النفوذ بين إيران وخصومها.

إلى جانب ذلك، لم تقتصر السياسات الإيرانية على دعم الجماعات المسلحة فقط، بل امتدت أيضاً إلى اعتداءات مباشرة أو غير مباشرة على دول الخليج العربي التي حافظت في مراحل عديدة على علاقات هادئة مع طهران ولم تسمح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية ضد إيران. فعلى الرغم من أن إيران غالباً ما تبرر هجماتها بأنها تستهدف قواعد أو مصالح أمريكية في المنطقة، فإن الواقع أظهر أن العديد من الضربات أصابت منشآت ومؤسسات مدنية واقتصادية خليجية، بما في ذلك منشآت للطاقة ومرافق اقتصادية ومناطق مدنية، وهو ما ألحق أضراراً مباشرة بدول لم تكن طرفاً في العمليات العسكرية ضدها.

من الناحية القانونية، فإن مثل هذه الهجمات تثير إشكالات خطيرة بموجب القانون الدولي. فـ المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تنص بوضوح على امتناع الدول عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. كما أن استهداف البنية التحتية المدنية أو الاقتصادية لدول لا تشارك في العمليات العسكرية يشكل انتهاكاً لمبدأ سيادة الدول ولمبدأ حماية المدنيين والأعيان المدنية المنصوص عليه في قواعد القانون الدولي الإنساني.

إن هذه السياسات الإيرانية القائمة على توسيع النفوذ عبر الجماعات المسلحة، إضافة إلى الضربات التي طالت دولاً أخرى في المنطقة، ساهمت بشكل مباشر في تعميق حالة عدم الاستقرار الإقليمي وإدخال المنطقة في دوامة من التصعيد المتبادل. ولا يمكن إنكار أن هذا النهج لعب دوراً مهماً في الوصول إلى المشهد الحالي من التوتر والحروب المتداخلة.

ومع ذلك، فإن الاعتراف بمسؤولية إيران عن دعم هذه الشبكات المسلحة أو عن الهجمات التي طالت دولاً أخرى لا يعني أن الانتهاكات التي ارتكبتها هذه الجماعات أو السياسات التي دعمتها طهران يمكن أن تُستخدم ذريعة لتجاهل قواعد القانون الدولي أو لتبرير استهداف المدنيين أو تدمير البنى التحتية للدول. فالقانون الدولي لا يقوم على منطق الانتقام أو المعاملة بالمثل في الانتهاكات، بل على مبدأ ثابت مفاده أن جميع الأطراف “دولاً كانت أم جماعات مسلحة” تبقى ملزمة باحترام قواعد حماية المدنيين وعدم تحويل الحروب إلى عمليات تدمير شامل للمجتمعات.

يتبع…

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com