حين تُقصف المدن وتُغلق الممرات البحرية وتُستباح سيادة الدول : هل انهار القانون الدولي في حرب الشرق الأوسط أم أُسقط عمداً؟

خاص بوابة بيروت

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين أطراف إقليمية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى صمود القانون الدولي نفسه أمام منطق القوة. فمع اتساع الضربات العسكرية التي طالت إيران وإسرائيل ولبنان، ومع امتداد التوتر إلى العراق ودول الخليج والممرات البحرية الحيوية، بات المشهد الإقليمي أقرب إلى حرب متعددة الطبقات تشارك فيها قوى كبرى ودول إقليمية وتنظيمات مسلحة عابرة للحدود.


لبنان، دولة مختطفة بين عجز المؤسسات وهيمنة السلاح

يعيش لبنان اليوم واحدة من أكثر الحالات تعقيداً وخطورة في النظام الإقليمي، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على وجود تنظيم مسلح خارج إطار الدولة، بل تحولت إلى أزمة سيادة حقيقية تتداخل فيها مؤسسات الدولة مع نفوذ جماعات مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم خارج السلطة الشرعية. فالدولة اللبنانية التي يفترض أن تحتكر استخدام القوة وتفرض سيادتها على كامل أراضيها، تجد نفسها منذ سنوات أمام واقع سياسي وأمني يتمتع فيه حزب الله بنفوذ عسكري وأمني وسياسي واسع جعل من الصعب الفصل بين الدولة والتنظيم المسلح.

لكن الإشكالية لا تتوقف عند نفوذ الحزب فقط، بل تمتد أيضاً إلى دور بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية التي سمحت، بشكل مباشر و غير مباشر، بحرية تنقل الجماعات المسلحة داخل البلاد، بما في ذلك مواكب مسلحة، وانتشار السلاح المرخص وغير المرخص، ووجود مناطق نفوذ شبه مغلقة أمام سلطة الدولة. هذا الواقع خلق بيئة أمنية تسمح لجماعات مسلحة متعددة “وعلى رأسها حزب الله” بالتحرك داخل الأراضي اللبنانية كقوة موازية للدولة تمتلك قدرات عسكرية وتنظيمية تفوق أحياناً قدرات المؤسسات الرسمية نفسها.

إن تنامي الجماعات المسلحة في مختلف المناطق اللبنانية، واستمرار ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة، لم يعد مجرد خلل أمني عابر، بل أصبح واقعاً بنيوياً يقوّض فكرة الدولة اللبنانية ذاتها. فوجود تنظيم يمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، ويشارك في صراعات إقليمية خارج الحدود، ويحتفظ بهيكلية أمنية وعسكرية مستقلة، يعني عملياً أن قرار الحرب والسلم لم يعد بيد المؤسسات الدستورية اللبنانية.

ولا يمكن إغفال أن هذا الواقع ترافق أيضاً مع إفلات متكرر لمطلوبين للقضاء اللبناني من العقاب، حيث تشير وقائع عديدة إلى أن بعض المطلوبين أو المتهمين بجرائم أمنية أو جنائية وجدوا حماية سياسية أو أمنية داخل بيئات مسلحة مرتبطة بحزب الله، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين بمؤسسات العدالة وأعطى انطباعاً بأن القانون لا يطبق بالتساوي على الجميع.

وفي ظل هذه المعادلة، تتحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية سياسية وقانونية لا يمكن تجاهلها. فالدولة التي لا تستطيع ضبط أجهزتها الأمنية، ولا تفرض سيطرتها على السلاح المنتشر خارج مؤسساتها، ولا تمنع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيها كمنصة للصراعات الإقليمية، تتحمل بالضرورة جزءاً من المسؤولية عن تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين قوى خارجية.

إن المشهد الذي ظهر خلال الحرب الحالية “بما في ذلك التحركات العسكرية الكثيفة في الجنوب والقدرة العملياتية التي أظهرتها الجماعات المسلّحة” يعكس بوضوح حجم الفجوة بين سلطة الدولة اللبنانية وبين القوى العسكرية الفعلية على الأرض. وهذا الواقع يطرح سؤالاً أساسياً لا يتعلق فقط بالحرب الراهنة، بل بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها: هل ما زال لبنان دولة قادرة على فرض سيادتها على أراضيها، أم أنه أصبح مسرحاً مفتوحاً لقوى مسلحة تتجاوز مؤسساته وتفرض عليه معادلات الصراع الإقليمي؟

إن استمرار هذا الوضع لا يعني فقط تعريض لبنان لحروب متكررة، بل يهدد أيضاً فكرة الدولة اللبنانية ككيان سيادي قادر على حماية أراضيه ومواطنيه. وفي غياب قرار سياسي حاسم يعيد احتكار السلاح إلى مؤسسات الدولة ويضع حداً لهيمنة الجماعات المسلحة، سيبقى لبنان عرضة لدورات متتالية من الصراعات التي يدفع ثمنها المواطن اللبناني قبل أي طرف آخر.

العراق، دولة تتقاسمها المؤسسات الرسمية وهيمنة الجماعات المسلحة

لا يختلف العراق كثيراً عن لبنان في طبيعة الأزمة المتعلقة بسيادة الدولة واحتكار السلاح. فبعد سنوات من الحروب والصراعات الداخلية، برزت في العراق شبكة واسعة من الجماعات المسلحة التي أصبحت لاعباً أساسياً في المشهد السياسي والأمني، وبعضها لا يكتفي بالعمل خارج إطار الدولة، بل بات منضوياً شكلياً داخل مؤسساتها أو مرتبطاً بها من خلال هياكل رسمية أو شبه رسمية.

هذه الجماعات، التي نشأت في سياقات مختلفة، تطورت مع الوقت لتصبح قوى عسكرية وسياسية ذات نفوذ واسع، تمتلك قدرات قتالية وتنظيمية تفوق أحياناً قدرات بعض مؤسسات الدولة. لكن الإشكالية الأكبر لا تكمن فقط في حجم قوتها العسكرية، بل في طبيعة ارتباطاتها السياسية والأيديولوجية، حيث تشير كثير من المعطيات إلى أن بعض هذه التنظيمات يحكمها ولاء مذهبي أو طائفي يتجاوز حدود الدولة العراقية ويرتبط بمحاور إقليمية، وعلى رأسها إيران.

وقد أدى هذا الواقع إلى خلق معادلة معقدة داخل العراق، حيث لم يعد القرار الأمني والعسكري في بعض الأحيان نتاج المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبح متأثراً بنفوذ جماعات مسلحة تمتلك أجنداتها الخاصة وعلاقاتها الإقليمية. وفي عدة مناسبات، تحولت هذه الجماعات إلى أطراف فاعلة في الصراع الإقليمي عبر استهداف قواعد عسكرية أو مصالح لدول أخرى، الأمر الذي وضع العراق في قلب مواجهات لم يكن قرارها بيد الدولة العراقية بالكامل.

إن استمرار هذا الوضع يضع الحكومة العراقية أمام تحدٍ جوهري يتعلق باستعادة احتكار السلاح وفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها. فوجود قوى مسلحة تمتلك استقلالاً عملياً في القرار العسكري، أو تتحرك بدوافع طائفية أو إقليمية، يقوّض فكرة الدولة الوطنية ويجعل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال المطروح ليس فقط حول قدرة الدولة العراقية على ضبط هذه الجماعات، بل حول مدى قدرتها على إعادة بناء مفهوم السيادة الوطنية في بيئة سياسية وأمنية تتداخل فيها الولاءات المذهبية والإقليمية مع مؤسسات الدولة نفسها. فالدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تملك القرار النهائي في استخدامه تبقى عرضة لأن تتحول أراضيها إلى مسرح دائم للصراعات الخارجية، وهو ما يدفع المواطن العراقي ثمنه من أمنه واستقراره ومستقبل بلاده.

في الختام، عندما تهدد الحروب القانون الدولي والاقتصاد العالمي

لم تبقِ الحرب آثارها محصورة داخل حدود الدول المتحاربة، بل امتدت ارتداداتها إلى منطقة الخليج التي تمثل أحد أهم المراكز الحيوية للطاقة والتجارة العالمية. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز في العالم، تحول بدوره إلى عنصر ضغط في معادلة الردع والصراع، وأصبح أي تهديد للملاحة فيه لا يمثل أزمة إقليمية فحسب، بل خطراً مباشراً على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية. كما أن استهداف منشآت الطاقة والموانئ والمطارات في دول الخليج يفتح الباب أمام توسيع دائرة الحرب إلى مناطق جديدة، وهو ما قد يحول الصراع من مواجهة إقليمية إلى أزمة دولية ذات انعكاسات اقتصادية وأمنية عميقة.

غير أن أخطر ما تكشفه هذه الحرب لا يتعلق فقط باتساع رقعة المواجهة أو حجم الدمار، بل بالهوة المتزايدة بين نصوص القانون الدولي والواقع العسكري على الأرض. فالقانون الدولي الإنساني وُضع أساساً لحماية المدنيين وتنظيم الحروب، لكن ما يجري اليوم يظهر أن هذه القواعد باتت في كثير من الأحيان عاجزة عن فرض نفسها في صراع تتداخل فيه القوى الكبرى والدول الإقليمية والتنظيمات المسلحة.

إن استمرار استهداف المدنيين، وتدمير البنى التحتية الحيوية، وتهديد التجارة العالمية، يشير إلى أن النظام الدولي يمر بمرحلة اختبار حقيقية. فإذا استمرت هذه الانتهاكات دون مساءلة أو محاسبة جدية، فإن القانون الدولي قد يتحول تدريجياً من منظومة ملزمة إلى مجرد مبادئ أخلاقية تُستحضر في الخطابات الدبلوماسية وتُهمل في ساحات الحرب.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال متعلقاً بطرف واحد في هذا الصراع، بل بمستقبل النظام الدولي كله:

هل ما نشهده اليوم هو انهيار تدريجي للقانون الدولي، أم بداية مرحلة جديدة تُدار فيها الحروب بمنطق القوة وحدها، بينما تبقى القوانين مجرد حبر على ورق؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com