انتصار العري وسقوط الفكر : كيف تحوّل الإنسان إلى “محتوى” في سوق التفاهة؟

خاص بوابة بيروت

لم تعد المشكلة أن المقالات الجادة لا تحصد فاعلًا… المشكلة أن التفاهة أصبحت معيارًا، وأن الجهد الفكري بات يُعامل كعبء، لا كقيمة.

نحن “كصحفيين وباحثين” نجلس ساعات، وأحيانًا أيامًا، خلف الشاشات. نُراجع، نُدقّق، نُحلّل، نُترجم، نُعيد الصياغة، ثم ننشر مادة تحمل فكرًا، موقفًا، وربما مخاطرة مهنية.

وفي النهاية؟ بضع إعجابات خجولة… صمت… أو تجاهل كامل.

في المقابل، صورة واحدة “مدروسة بعناية لإبراز الجسد” كفيلة بأن تحصد آلاف التفاعلات خلال دقائق.

لا بحث، لا مضمون، لا رسالة… فقط “عرض”، والخوارزميات تتكفل بالباقي.

هنا لا نتحدث عن صدفة، بل عن خلل عميق في ميزان القيمة.

لقد أصبحنا في عصر تُكافأ فيه الصورة السريعة على حساب الفكرة، ويُفضَّل فيه ما يُثير الغريزة على ما يُحرّك العقل.

وما يزيد خطورة هذا المشهد، أن هذا النوع من المحتوى لم يعد هامشيًا، بل أصبح مؤطرًا ومُسوَّقًا تحت مسميات براقة: “مؤثرين”، “صنّاع محتوى”، “حرية التعبير”.

لكن السؤال الجوهري: أي محتوى؟ وأي حرية؟

حين تصبح صورة شبه عارية طريقًا مضمونًا للوصول، وحين يُعاد تعريف التعري على أنه “جرأة” و ”حق أساسي”، فنحن لا نعيش فقط خللًا في الذوق… بل إعادة تشكيل خطيرة لمفهوم الحرية نفسها.

الأمر لم يعد فرديًا، بل تدعمه منظومة كاملة من التطبيقات والمنصات التي تعمل تحت عناوين “التعارف” و”التواصل”، بينما في جوهرها تقوم على تحفيز العرض الجسدي لأنه الأكثر جذبًا وربحًا.

خوارزميات لا تفهم الفكر، لكنها تتقن استثمار الغريزة.

وهكذا، يتم دفع المستخدم “وخاصة المرأة” نحو معادلة واضحة وصامتة: كلما اقتربتِ من التعري… زاد الانتشار.

كلما زادت “الجرأة”… تضاعف التفاعل.

وفي المقابل؟ كلما تعمّق المحتوى… تراجع انتشاره.

إنها معادلة معكوسة تُكافئ السطح، وتُعاقب العمق.

ولنكن أكثر وضوحًا، لسنا أمام “تمكين” كما يُروَّج، بل أمام تسليع ناعم ومُقنَّع، يتم فيه تحويل الجسد إلى أداة جذب، بينما تجني المنصات الأرباح من هذا النموذج.

أما النتيجة الأوسع؟

تهميش الفكر، وإقصاء الكلمة، وإعادة تعريف النجاح على أساس “الظهور” لا “القيمة”.

وهنا تتقاطع المشكلة مع أصلها: الصحفي والباحث يُنتج معرفة… لكن المعرفة لا تُكافأ.

بينما “المحتوى البصري السريع” ولو كان” فارغًا أو شبه إباحي” يُدفع إلى الواجهة.

إننا أمام اقتصاد انتباه لا يعترف إلا بما يُبقي العين مفتوحة، لا العقل يقظًا.

لكن المسؤولية لا تقع على المنصات وحدها. هناك جمهور “نحن جميعًا” أصبح جزءًا من هذه المعادلة.

كل إعجاب، كل مشاركة، كل متابعة… هي تصويت غير مباشر على ما نريده أن يسود.

وحين نُكافئ التفاهة، فنحن “دون أن نشعر” نُساهم في إقصاء كل صوت جاد.

المأساة الحقيقية ليست في انتشار هذا النوع من المحتوى، بل في اعتياده… في تحوّله إلى “طبيعي”، وفي ترسّخ قناعة صامتة بأن ما يُعرض أهم مما يُفكَّر فيه.

في الختام، عصر التفاهة… حين يُقصى المفكر ويُحتفى بالسطح

إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس مجرد اختلال في التفاعل الرقمي، بل دخولنا فعليًا في عصر التفاهة المُنظَّمة، حيث يُعاد ترتيب المجتمع على أساس معايير زائفة:

يُرفع من لا يحمل فكرة، ويُهمَّش من يحمل قضية. يُصنَّف أصحاب الرأي عبئًا ثقيلًا، بينما يُقدَّم السطح بوصفه نجاحًا.

في هذا العصر، لا يُقصى المفكر لأنه مخطئ، بل لأنه لا يجذب الانتباه بالسرعة الكافية، ولا يُهمَّش الباحث لأنه بلا قيمة، بل لأنه لا يُقدّم نفسه كـ“عرض بصري”.

وهنا تكمن الكارثة، حين يُختزل الإنسان في صورة، ويُقاس العقل بعدد “اللايكات”، فإننا لا نفقد فقط قيمة الكلمة… بل نفقد تدريجيًا احترامنا للفكر ذاته.

وما يجب قوله بوضوح أكبر، إن التعري والتفاهة التي تُسوَّق اليوم ليست إلا موضة رقمية عابرة فُرضت بقوة الخوارزميات، وتنتشر بسرعة لأنها سهلة الاستهلاك، لكنها لم تكن يومًا معيارًا للقيمة، ولن تكون يومًا شكلًا حقيقيًا من أشكال الحقوق أو الحرية.

فالحقوق لا تُبنى على تسليع الجسد، ولا تُختزل في عدد المشاهدات، والحرية لا تعني الانكشاف… بل تعني الوعي والاختيار والمسؤولية.

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: لماذا لا تُقرأ المقالات؟

بل يصبح السؤال الأعمق والأخطر: كيف وصلنا إلى مرحلة يُصبح فيها التفكير نفسه فعلًا غير مرغوب؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com