قانون #إعدام #الأسرى_الفلسطينيين : دراسة قانونية معمّقة في ضوء الشرعة الدولية لـ #حقوق_الإنسان والقانون الدولي الإنساني

الجزء الأول

بقلم د. عبدالعزيز طارقجي – خاص بوابة بيروت
@dr_tarakji

يبرز تعارض واضح بين التشريع الداخلي والقواعد الدولية الآمرة. فالقانون الذي أُقرّ لفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين لا يمكن إدراجه ضمن نطاق السلطة التقديرية للتشريع الداخلي، ذلك أن مبدأ سموّ الالتزامات الدولية على القوانين الداخلية يُعدّ من المبادئ الراسخة في الفقه والقضاء الدوليين.

فالدولة، بمجرد انضمامها إلى المعاهدات الدولية، تصبح مُلزمة قانونًا بعدم سنّ تشريعات تتعارض مع تلك الالتزامات، وهو ما كرّسته المادة 27 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، التي تنص صراحة على أنه “لا يجوز لطرف في معاهدة أن يحتج بأحكام قانونه الداخلي لتبرير عدم تنفيذها”.

وقد أكدت محكمة العدل الدولية في أكثر من مناسبة، لا سيما في رأيها الاستشاري بشأن الجدار العازل عام 2004، أن التزامات الدول في مجال القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان تبقى قائمة ومتزامنة، حتى في حالات النزاع المسلح والاحتلال، وأنه لا يجوز للدولة أن تتحلل من هذه الالتزامات بذريعة الضرورات الأمنية أو مكافحة الإرهاب. كما شددت المحكمة على أن هذه القواعد، في جوهرها، لا تندرج ضمن الالتزامات التعاقدية فحسب، بل إن جزءًا كبيرًا منها يرتقي إلى مستوى القواعد الآمرة في القانون الدولي “Jus Cogens”، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الانتقاص منها تحت أي ظرف.

وانطلاقًا من ذلك، فإن هذا القانون لا يمكن اعتباره مجرد تنظيم داخلي للعقوبات، بل هو فعل تشريعي يقع في تعارض مباشر مع منظومة قانونية دولية مُلزمة، تشمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات جنيف. فالمسألة هنا لا تتعلق بمدى ملاءمة العقوبة أو شدتها، بل بشرعية الأساس القانوني ذاته، إذ إن الدولة، في هذا السياق، لا تمارس سيادة مطلقة، بل تخضع لقيود قانونية دولية صارمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بسكان واقعين تحت الاحتلال.

وعليه، فإن هذا التشريع ينتقل من كونه قانونًا داخليًا إلى كونه مسألة ذات طابع دولي خاضعة لرقابة الشرعية الدولية، بما يفتح الباب أمام مساءلة قانونية تتجاوز الحدود الوطنية، سواء عبر آليات الأمم المتحدة أو من خلال القضاء الدولي، باعتباره نصًا يتعارض مع قواعد آمرة لا يجوز الخروج عليها أو الالتفاف حولها.

الحق في الحياة في الشرعة الدولية، نصوص صريحة وانتهاك مباشر

يُعدّ الحق في الحياة الركيزة الأساسية التي تقوم عليها منظومة حقوق الإنسان بأكملها، وهو حق ذو طبيعة آمرة لا يجوز المساس بجوهره تحت أي ظرف. فقد نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”، وهو نص لا يقرّ هذا الحق فحسب، بل يمنحه طابعًا كونيًا مطلقًا يتجاوز حدود السيادة الوطنية. كما جاءت المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لتؤكد أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وأنه لا يجوز حرمان أي شخص منه تعسفًا، وهو تعبير قانوني دقيق يشمل ليس فقط الحرمان غير القانوني، بل أيضًا كل إجراء يتسم بعدم التناسب أو يفتقر للضمانات القضائية الصارمة.

وقد ذهبت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تفسيرها العام رقم 36 إلى أبعد من ذلك، حين أكدت أن الدول التي لم تُلغِ عقوبة الإعدام ملزمة بحصرها في “أشد الجرائم خطورة” وبشروط إجرائية صارمة، تشمل ضمان المحاكمة العادلة الكاملة، وحق الاستئناف، وإمكانية طلب العفو أو تخفيف الحكم. كما شددت اللجنة على أن أي توسّع في نطاق تطبيق هذه العقوبة، أو تحويلها إلى عقوبة إلزامية أو شبه تلقائية، يُعد انتهاكًا مباشرًا للمادة السادسة، ويُصنّف ضمن الحرمان التعسفي من الحياة.

غير أن القانون محل الدراسة ينقض هذه المعايير من أساسها، إذ يُحوّل عقوبة الإعدام من تدبير استثنائي محدود إلى قاعدة شبه عامة، ويُقرّ تنفيذها ضمن إطار زمني متسارع، مع تقليص فعلي لفرص الطعن أو العفو، وهو ما يُفرغ الضمانات القانونية من مضمونها ويحوّل الإجراء إلى عقوبة ذات طابع انتقامي أكثر منه قضائي. وفي سياق احتلال عسكري، حيث تتداخل السلطة القضائية مع السلطة الأمنية، يصبح خطر التعسف مضاعفًا، ويغدو تنفيذ الإعدام أقرب إلى الإعدام خارج إطار العدالة، حتى وإن تم تغليفه بإجراءات شكلية.

وقد حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان من أن هذا النوع من التشريعات لا يشكل فقط انتهاكًا للحق في الحياة، بل يمثل تراجعًا خطيرًا عن المعايير الدولية المستقرة، خاصة عندما يقترن بطابع تمييزي وغياب لضمانات المحاكمة العادلة. وبذلك، فإن الإعدام في هذا السياق لا يمكن اعتباره تنفيذًا مشروعًا لعقوبة، بل يُصنّف قانونًا كحرمان تعسفي من الحياة، وهو أحد أخطر الانتهاكات التي يجرّمها القانون الدولي.

مبدأ عدم التمييز، مخالفة صريحة لقاعدة آمرة

يُعد مبدأ عدم التمييز من الركائز الجوهرية التي يقوم عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ليس مجرد مبدأ توجيهي، بل قاعدة قانونية آمرة لا يجوز الخروج عليها تحت أي ظرف. فقد نصت المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “الناس جميعًا سواء أمام القانون”، وأن لهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أي تمييز، وهو ما يعكس جوهر العدالة القانونية باعتبارها قائمة على المساواة لا على الهوية. كما جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ليؤكد في مادته الثانية أن الدول تلتزم باحترام وضمان الحقوق الواردة فيه دون تمييز من أي نوع، بما في ذلك التمييز القائم على الأصل القومي أو العرقي، وهو نص يُلزم الدولة ليس فقط بالامتناع عن التمييز، بل أيضًا بمنع أي ممارسة أو تشريع يؤدي إلى تكريسه.

وقد ذهبت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تفسيرها العام إلى التأكيد على أن مبدأ المساواة أمام القانون يشمل تكافؤ المعاملة أمام المحاكم، وأن إنشاء أنظمة قضائية مختلفة لفئات سكانية مختلفة، إذا استند إلى معايير عرقية أو قومية، يُعد انتهاكًا مباشرًا للعهد الدولي. وهذا التفسير يكتسب أهمية خاصة في الحالات التي تُستخدم فيها المحاكم العسكرية لمحاكمة فئة معينة من السكان، في حين تُحال فئة أخرى إلى محاكم مدنية تتمتع بضمانات أوسع.

وفي هذا السياق، يظهر القانون محل الدراسة كنموذج واضح لنظام قانوني مزدوج يقوم على التمييز، حيث يُطبّق على الفلسطينيين ضمن إطار قضائي عسكري محدود الضمانات، بينما لا يخضع الإسرائيليون لنفس المنظومة، حتى في حالات متشابهة من حيث طبيعة الأفعال. هذا التفاوت في المعاملة لا يمكن تبريره بالاعتبارات الأمنية، لأن القانون الدولي يرفض أي تمييز قائم على الهوية، حتى في حالات النزاع. وقد اعتبرت الأمم المتحدة أن هذا القانون يحمل طابعًا “تمييزيًا عميقًا”، وهو توصيف قانوني يتجاوز النقد السياسي إلى الإدانة القانونية، لأنه يضع التشريع ضمن إطار الانتهاكات المرتبطة بالاضطهاد المنهجي.

ولا يقف الأمر عند حدود المخالفة التعاهدية، بل يتجاوزها إلى مستوى القواعد الآمرة في القانون الدولي “Jus Cogens”، حيث يُعتبر حظر التمييز العنصري من المبادئ التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الانتقاص منها. وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا الفهم في اجتهاداتها، معتبرة أن التمييز القائم على أساس العرق أو الأصل القومي يشكل انتهاكًا خطيرًا يترتب عليه مسؤولية دولية مشددة. وعليه، فإن هذا القانون لا يُعد مجرد تشريع غير عادل، بل يمثل إخلالًا جوهريًا ببنية النظام القانوني الدولي، ويمهّد لتكييفه ضمن أنماط الانتهاكات التي قد ترقى إلى مستوى الاضطهاد الممنهج.

المحاكمة العادلة، انهيار الضمانات القانونية الأساسية

يُعدّ الحق في المحاكمة العادلة أحد الأعمدة المركزية في منظومة العدالة الدولية، إذ لا يكتسب أي إجراء جنائي شرعيته إلا من خلال احترام الضمانات الإجرائية التي تكفل تحقيق العدالة، لا مجرد إصدار الأحكام. وقد نصت المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل إنسان في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة، وهو نص يؤسس لمعيار موضوعي لا يجوز الانتقاص منه، خاصة في القضايا التي تمس الحق في الحياة. كما جاءت المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لتفصّل هذه الضمانات، مؤكدة على قرينة البراءة، وحق الدفاع، وحق الاستعانة بمحامٍ، وحق الطعن في الأحكام أمام جهة قضائية أعلى، باعتبارها شروطًا لازمة لأي محاكمة تُوصف بأنها عادلة.

وقد شددت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تفسيرها العام رقم 32 على أن هذه الضمانات تكتسب طابعًا أكثر صرامة في القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام، بحيث لا يكفي الالتزام الشكلي بالإجراءات، بل يجب أن تتحقق العدالة الفعلية من خلال قضاء مستقل ومحايد يتمتع بكامل الضمانات المؤسسية. كما أكدت اللجنة أن محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية تُعد، في الأصل، استثناءً يجب تضييقه إلى أقصى حد، وأن استخدامها بشكل واسع أو منهجي يُعد مؤشرًا على غياب الضمانات القضائية.

وفي هذا السياق، فإن تطبيق القانون محل الدراسة عبر محاكم عسكرية في بيئة احتلال يُثير إشكاليات قانونية عميقة، لأن هذه المحاكم، بحكم بنيتها، تخضع للسلطة العسكرية ذاتها التي تمارس السيطرة على الأرض والسكان، ما يخلق تضاربًا جوهريًا بين وظيفة القضاء ومتطلبات السلطة الأمنية. إن نسب الإدانة المرتفعة التي تسجلها هذه المحاكم ليست مجرد مؤشر إحصائي، بل تعكس خللًا بنيويًا في ميزان العدالة، حيث تصبح المحاكمة أقرب إلى إجراء شكلي يهدف إلى تثبيت قرار مسبق، لا إلى البحث الموضوعي عن الحقيقة.

ويزداد هذا الخلل خطورة مع تقليص فرص الاستئناف والعفو، وتسريع تنفيذ الأحكام، وهي عناصر تُفرغ الحق في الطعن من مضمونه، وتحوّل الحكم إلى قرار نهائي شبه فوري، في مخالفة صريحة لمبدأ التقاضي على درجتين، الذي يُعد ضمانة أساسية ضد الأخطاء القضائية. وقد اعتبرت منظمة العفو الدولية أن هذا الإطار القضائي، بحد ذاته، لا يفي بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وأن الجمع بين محاكم عسكرية محدودة الضمانات وعقوبة الإعدام يشكل انتهاكًا مضاعفًا، لأن الخلل الإجرائي في هذه الحالة لا يؤدي فقط إلى ظلم قضائي، بل إلى نتيجة لا رجعة فيها تتمثل في إزهاق الحق في الحياة.

وعليه، فإن هذا القانون لا يقتصر على المساس بالإجراءات، بل يقوّض الأساس القانوني لفكرة العدالة ذاتها، إذ يحوّل المحاكمة من وسيلة لحماية الحقوق إلى أداة لإضفاء مظهر قانوني على إجراء عقابي خطير، وهو ما يجعل أي حكم يصدر في هذا السياق فاقدًا لمشروعيته وفق المعايير الدولية.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com