من إيران إلى “إسرائيل” : كيف تُستَخدم الطائفية لتفكيك لبنان، ولماذا المواطنة هي الحل؟

خاص بوابة بيروت

لبنان اليوم لم يعد فيه الخطاب الطائفي مجرد خلافٍ سياسيٍّ عابر، بل تحوّل إلى لغةٍ يوميةٍ تتسلّل إلى تفاصيل الحياة العامة. نسمع تعابير مثل “قرى شيعية” و”مناطق سنية” و”بلدات مسيحية” و”قرى درزية”، وكأنها توصيفٌ عادي، بينما هي في الواقع أخطر بكثير مما تبدو عليه.

هذه اللغة لا تصف الجغرافيا فقط، بل تُعيد تشكيل وعي الناس، وتجعل اللبناني يخاف من اللبناني الآخر، وتزرع الشك بين القرى والجيران، وتحوّل الوطن من مساحة عيشٍ مشترك إلى خريطة خوفٍ وانقسام.

السؤال الجوهري هنا: من المستفيد عندما يخاف اللبناني من القرية المجاورة فقط لأنها تُصنَّف طائفيًا؟

الجواب واضح: كل قوةٍ خارجيةٍ تريد لبنان ضعيفًا ومنقسمًا ومشلولًا.

أولًا: ما الذي يحصل اليوم فعلًا؟

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الحروب والتوترات والنزوح الداخلي، برز استخدامٌ خطيرٌ للتصنيفات الطائفية في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى في خطاب بعض السياسيين والناشطين.

بدل القول: هذه قرية لبنانية، أصبحنا نسمع: هذه قرية شيعية أو منطقة مسيحية أو بيئة سنية.

هذا الخطاب ليس بريئًا، لأنه يمحو تاريخ العيش المشترك، ويزرع الخوف من الآخر، ويخلق شعورًا بأن كل طائفةٍ يجب أن تحتمي بنفسها، ويسهّل التهجير والفرز السكاني، ويحوّل الناس من مواطنين إلى جماعاتٍ خائفةٍ تبحث عن الحماية.

وهنا تبدأ المرحلة الأخطر، حين تصبح الطائفة أهم من الوطن.

ثانيًا: “إسرائيل”، سياسةٌ قديمةٌ بأدواتٍ جديدة

“إسرائيل” لم تتوقف يومًا عن النظر إلى لبنان كبلدٍ يجب أن يبقى ضعيفًا ومفككًا. منذ اجتياح عام 1982، مرورًا بدعم ميليشياتٍ محلية، وصولًا إلى محاولات إشعال الفتن، كان الهدف واحدًا: لبنان الموحّد خطر، ولبنان المنقسم سهل الاختراق.

الحرب اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت نفسيةً وإعلامية.

من أدواتها، ضرب مناطق بطريقةٍ تثير الحساسيات، ونشر رواياتٍ تُحمّل فئةً معينة مسؤولية الحرب، وتخويف المجتمعات المستضيفة للنازحين من تغييرٍ ديموغرافي، وتضخيم الانقسامات عبر الإعلام ووسائل التواصل، وتحويل النزوح من قضيةٍ إنسانية إلى قضيةٍ طائفية.

عندما يُهجَّر أهل قريةٍ جنوبية، ويُقال إن استقبالهم خطر، فذلك ليس خوفًا عفويًا، بل قد يكون جزءًا من سياسة تفتيتٍ مدروسة.

الهدف أن يرى اللبناني أخاه عبئًا أو تهديدًا، لا شريكًا في الوطن.

ثالثًا: إيران، الهيمنة من داخل الانقسام

في المقابل، يبرز مشروعٌ آخر عبر “حزب الله”. رغم رفع شعار “المقاومة”، فإن التطبيق الداخلي أدّى إلى ربط جزءٍ كبيرٍ من القرار اللبناني بمحورٍ خارجي، وتقديم السلاح على الدولة، والطائفة على المؤسسات.

المشكلة ليست في الطائفة الشيعية، بل في استخدامها كأداة تعبئةٍ وسيطرة.

عندما يُؤخذ لبنان إلى مواجهةٍ من دون إجماعٍ وطني، وعندما يُصوَّر أي اعتراضٍ كأنه استهدافٌ لطائفةٍ بأكملها، يتحوّل الانقسام إلى واقعٍ دائم.

النتيجة واضحة: يتراجع مفهوم المواطنة، ويتقدّم الولاء للمحاور الخارجية.

رابعًا: مفارقةٌ خطيرة

“إسرائيل” وإيران تختلفان في الشعارات، لكنهما تلتقيان في النتيجة: إضعاف لبنان.

“إسرائيل” تريد لبنانًا مفككًا، خائفًا، ومتشرذمًا، وإيران تريد لبنانًا تابعًا، يُدار خارج مؤسساته.

الطرفان يستفيدان من الانقسام، ومن لغة الخوف، ومن غياب الدولة.

هكذا يجد لبنان نفسه بين مشروع تفتيتٍ من الخارج، ومشروع هيمنةٍ من الداخل.

خامسًا: ما يحدث إنذارٌ وطني

تصنيف القرى طائفيًا، تخويف الناس من النازحين، نشر خرائط “مناطق آمنة” و”مناطق خطرة”، استخدام الخطاب المذهبي، وتحميل طائفةٍ كاملة مسؤولية قرارات سياسية، كلها مؤشرات خطيرة.

هذا ليس تفصيلًا عابرًا، بل مسارٌ يقود إلى الانقسام وربما إلى انفجارٍ داخلي.

الأخطر أن هذا الخطاب لا يحمي أحدًا. اليوم يُستهدف طرف، وغدًا طرفٌ آخر، وفي النهاية يخسر الجميع.

سادسًا: الحل، مواطنةٌ أقوى

الحل لا يكون بانتصار طائفةٍ على أخرى، ولا محورٍ على آخر، بل باستعادة المواطنة.

المواطنة تعني أن الدولة فوق السلاح، والقانون فوق الزعيم، وأن القرية ليست ملكًا لطائفة، وأن النزوح قضيةٌ إنسانية، وأن الاختلاف لا يلغي وحدة المصير.

سابعًا: ماذا يجب أن نفعل؟

المواجهة تبدأ برفض اللغة الطائفية، وتصحيحها فورًا. حماية خطاب العيش المشترك ضرورة، كما أن كشف كل أشكال التدخل الخارجي واجب، سواء جاء من “إسرائيل” أو من إيران.

دعم الدولة وحدها هو الطريق، لأن أي سلاحٍ خارجها هو تهديدٌ مباشر. كما أن نشر الوعي المدني في المدارس والإعلام يشكّل أساسًا لمواجهة هذه الثقافة.

الخلاصة، لبنان لا يُنقذ إلا عندما يرى اللبناني أخاه مواطنًا لا طائفة.

يريدوننا أن نخاف من بعضنا، وأن نختصر بعضنا بانتماءاتٍ ضيقة، لكن الحقيقة أن اللبنانيين أكبر من هذه التصنيفات.

نحن شعبٌ واحد، وطننا ليس ساحة صراع، ولا خريطة تقسيم.

من إيران إلى “إسرائيل”، ومن كل محورٍ يسعى للهيمنة على القرار اللبناني، الرد يجب أن يكون واضحًا:

لبنان أولًا، ولبنان فقط. ولا خلاص إلا بكسر منطق التخويف، ورفض الفرز، والتمسك بهويةٍ لبنانيةٍ جامعة.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com