
كاتبة وناشطة سياسية
صدمةُ السلامِ في لبنانَ : ماذا يحدثُ عندما تسقطُ عقيدةُ الحربِ فجأةً؟
خاص بوابة بيروت
لبنانَ، ليستِ الحربُ مجردَ جبهةٍ عسكريةٍ. هي، منذ عقودٍ، منظومةٌ نفسيةٌ كاملةٌ.
هي لغةٌ. هي هويةٌ. هي تربيةٌ سياسيةٌ. هي سرديةٌ دينيةٌ عند البعضِ.
هي شعورٌ بالتفوقِ الأخلاقيِّ عند مَن اعتاد أن يرى نفسَه “حارسَ القضيةِ”.
وهي أيضًا، للأسفِ، موردُ سلطةٍ، ومصدرُ نفوذٍ، وسوقُ تعبئةٍ، وأداةُ سيطرةٍ على جمهورٍ كاملٍ تمَّت برمجتُه طويلًا على أنَّ السلامَ خيانةٌ، وأنَّ الدولةَ ضعيفةٌ، وأنَّ البندقيةَ أصدقُ من المؤسساتِ.
لذلك، فإنَّ ما يحدثُ اليومَ ليس مجردَ تطورٍ تفاوضيٍّ عابرٍ. ما يجري هو أخطرُ من ذلك بكثيرٍ، وأجملُ في الوقتِ نفسهِ. إنَّه بدايةُ صدمةِ السلامِ.
فبعد الاجتماعِ الذي عُقد في البيتِ الأبيضِ أمس، وبحضورِ الرئيسِ الأميركيِّ دونالد ترامب، تمَّ الإعلانُ عن تمديدِ وقفِ إطلاقِ النارِ بين لبنانَ و”إسرائيل” لثلاثةِ أسابيعَ إضافيةٍ، في خطوةٍ لم تعد تبدو مجردَ هدنةٍ تقنيةٍ، بل مسارًا سياسيًّا مفتوحًا نحو تفاهمٍ أوسعَ، وربما نحو إعادةِ رسمِ مستقبلِ لبنانَ الأمنيِّ والسياديِّ بالكاملِ.
وقد وصف ترامب الاجتماعَ بأنَّه تاريخيٌّ، وأبدى تفاؤلًا بإمكانِ التوصلِ إلى اتفاقٍ أوسعَ خلال هذا العامِ، فيما يسعى لبنانُ إلى تثبيتِ الانسحابِ الإسرائيليِّ، ووقفِ الاعتداءاتِ، وربطِ أيِّ مسارٍ مقبلٍ باستعادةِ السيادةِ وإعادةِ الإعمارِ.
لكنَّ السؤالَ الأهمَّ ليس فقط: هل ينجحُ المسارُ؟
السؤالُ الأخطرُ هو، ماذا سيحدثُ داخلَ المجتمعِ اللبنانيِّ عندما تبدأُ عقيدةُ الحربِ بالانهيارِ؟
عندما يصبحُ السلامُ تهديدًا نفسيًّا
هناك فئةٌ في لبنانَ لم تُربَّ فقط على رفضِ السلامِ، بل على اعتبارِ الحربِ جزءًا من معناها الوجوديِّ.
هذه الفئةُ لا ترى الصراعَ مجردَ موقفٍ سياسيٍّ، بل تراه عقيدةً، واجبًا، قدرًا،
طريقًا إلى “الشهادةِ”، ووسيلةً للحفاظِ على هويةٍ صيغت طوالَ سنواتٍ على قاعدةِ، إذا انتهتِ الحربُ، فمَن نحنُ؟
هنا تكمنُ المعضلةُ.
عندما يُفتحُ بابُ السلامِ فجأةً، لا يشعرُ أصحابُ هذه البنيةِ بالارتياحِ، بل يشعرون بالتهديدِ.
لأنَّ السلامَ، بالنسبةِ إليهم، لا يعني فقط توقفَ القصفِ، بل يعني سقوطَ الروايةِ التي عاشوا عليها، يعني انهيارَ اللغةِ التي برَّرتِ الخسائرَ، يعني انكشافَ الكلفةِ الحقيقيةِ لكلِّ ما دُفعَ من دماءٍ وخرابٍ وتهجيرٍ، ويعني، أخيرًا، أنَّ “العدوَّ الخارجيَّ” لم يعد كافيًا لتبريرِ استمرارِ السلاحِ خارجَ الدولةِ.
لهذا، قد نرى في المرحلةِ المقبلةِ ردودَ فعلٍ عنيفةً نفسيًّا وإعلاميًّا وحتى ميدانيًّا من بعضِ الجهاتِ أو البيئاتِ التي تعتبرُ أنَّ أيَّ تسويةٍ شاملةٍ هي نزعٌ للمعنى قبل أن تكونَ نزعًا للسلاحِ.
مَن سيقاومُ السلامَ؟
الذين سيقاومون السلامَ في لبنانَ لن يكونوا جميعًا من فئةٍ واحدةٍ.
هناك أولًا، المنتفعون من اقتصادِ الحربِ
كلُّ مَن راكم نفوذًا أو مالًا أو شرعيةً من استمرارِ الفوضى والسلاحِ والحدودِ المفتوحةِ والاقتصادِ الموازي.
ثانيًا، المؤمنون بعقيدةِ الصراعِ الدائمِ
وهؤلاء أخطرُ من غيرِهم، لأنهم لا يرون أنفسَهم خاسرين سياسيًّا فقط، بل “مكلَّفين إلهيًّا” أو “تاريخيًّا” برفضِ أيِّ تسويةٍ.
ثالثًا، الجيلُ المصدومُ من سقوطِ السرديةِ
شبابٌ تربَّوا على خطابِ البطولةِ والشهادةِ والعداءِ المطلقِ، وقد يجدون أنفسَهم فجأةً أمام واقعٍ يقولُ لهم، الدولةُ تفاوضُ، الجيشُ هو المرجعيةُ، والسلامُ لم يعد محرَّمًا.
رابعًا، مَن يخافون الحقيقةَ
لأنَّ السلامَ، إذا ترسَّخَ، سيفتحُ حتمًا ملفاتٍ، مَن ورَّط لبنانَ؟ مَن صادر قرارَ الحربِ؟ مَن دمَّر الجنوبَ والضاحيةَ والبقاعَ باسمِ “الردعِ”؟ ومَن دفع الناسَ إلى الموتِ فيما كانتِ التسوياتُ ممكنةً؟
كيف نتعاملُ مع الرافضين للسلامِ؟
هنا يجبُ أن تكونَ الدولةُ والمجتمعُ أذكى من منطقِ الانتقامِ.
إذا دخل لبنانُ فعلًا في مسارِ تسويةٍ شاملةٍ، فإنَّ التعاملَ مع الرافضين لا يجبُ أن يكونَ عبر الإذلالِ أو التشفي أو خطابِ كسرِ البيئةِ الحاضنةِ، لأنَّ ذلك قد يحوِّلُهم من جمهورٍ مصدومٍ إلى جمهورٍ منفجرٍ.
المطلوبُ هو إدارةُ انتقالٍ وطنيٍّ ذكيةٍ تقومُ على خمسِ قواعدَ:
1: فصلُ الناسِ عن المشروعِ المسلحِ
يجبُ التمييزُ بوضوحٍ بين المواطنِ الذي تمَّت تعبئتُه لعقودٍ، وبين القيادةِ أو المنظومةِ التي استثمرت في هذه التعبئةِ. الناسُ ليسوا كلَّهم أعداءَ السلامِ. كثيرون منهم أسرى سرديةٍ وخوفٍ وولاءٍ عاطفيٍّ.
2: تحويلُ معنى “الكرامةِ”
يجبُ أن يُعادَ تعريفُ الكرامةِ الوطنيةِ لا بوصفِها بقاءَ السلاحِ، بل بعودةِ الدولةِ، وعودةِ الناسِ إلى بيوتِهم، وإعادةِ إعمارِ القرى، وحمايةِ الحدودِ عبر الجيشِ وحدَه.
3: خطابٌ دينيٌّ وأخلاقيٌّ مضادٌّ
لا يكفي الخطابُ السياسيّ. يجبُ تفكيكُ فكرةِ أنَّ الموتَ الدائمَ هو الفضيلةُ الوحيدةُ. الحياةُ، الإعمارُ، حمايةُ الأطفالِ، وقفُ التهجيرِ، وإنقاذُ الجنوبِ، كلُّ ذلك أيضًا قيمةٌ أخلاقيةٌ ووطنيةٌ وروحيةٌ.
4: عدالةٌ انتقاليةٌ لا انتقاميةٌ
أيُّ تسويةٍ حقيقيةٍ تحتاجُ لاحقًا إلى كشفِ حقائقَ ومحاسبةٍ، لكن ضمنَ منطقِ الدولةِ والقانونِ، لا ضمنَ منطقِ الثأرِ الجماعيِّ.
5: مشروعٌ وطنيٌّ بديلٌ
أخطرُ ما يمكنُ أن تفعله الدولةُ هو أن تطلبَ من الناسِ تركَ “هويةِ الحربِ” من دون أن تعطيَهم “هويةَ وطنٍ”.
يجبُ أن يشعرَ اللبنانيُّ أنَّ هناك مستقبلًا: وظيفةً، إعمارًا، كهرباءَ، تعليمًا، جيشًا قويًّا، لامركزيةً، ومؤسساتٍ.
هل نحنُ أمام تسويةٍ كبرى فعلًا؟
ما يُتداولُ اليومَ عن تسويةٍ شاملةٍ برعايةٍ سعوديةٍ، تشملُ تطبيقًا كاملًا للطائفِ، ومجلسَ شيوخٍ، ولامركزيةً فعليةً، وإلغاءَ الوكالاتِ الحصريةِ، وانسحابًا إسرائيليًّا، وإعادةَ إعمارٍ، وتقويةَ الجيشِ، وسحبَ السلاحِ غيرِ الشرعيِّ، لا يزالُ في جزءٍ منه ضمنَ دائرةِ التسريباتِ والتحليلاتِ، وليس إعلانًا رسميًّا نهائيًّا حتى الآن. لذلك يجبُ التعاملُ معه كاتجاهٍ سياسيٍّ محتملٍ قويٍّ، لا كأمرٍ محسومٍ بعدُ.
لكنَّ ما أصبح واضحًا بالفعلِ هو أنَّ المناخَ الدوليَّ والإقليميَّ تغيَّرَ:
هناك مسارُ تفاوضٍ مباشرٍ وغيرُ مسبوقٍ بين لبنانَ و”إسرائيل” عبر واشنطن.
هناك تمديدٌ رسميٌّ لوقفِ إطلاقِ النارِ أُعلن أمس.
هناك دفعٌ أميركيٌّ واضحٌ نحو تثبيتِ التهدئةِ وفتحِ بابِ اتفاقٍ أوسعَ.
وهناك اعتراضٌ صريحٌ من “حزب الله” على هذا المسارِ، ما يعني أنَّ الصدامَ بين منطقِ الدولةِ ومنطقِ المحورِ بات أكثرَ وضوحًا من أيِّ وقتٍ مضى.
لبنانُ أمام لحظةٍ نادرةٍ
قد يكونُ ما نعيشه اليومَ هو أولُ مرةٍ منذ عقودٍ يصبحُ فيها السلامُ احتمالًا مطروحًا بجديةٍ، لا كشعارٍ رومانسيٍّ، بل كمشروعِ إعادةِ تأسيسٍ للدولةِ.
وهذا ما يجعلُ اللحظةَ خطيرةً.
لأنَّ لبنانَ لم يعتدْ فقط على الحربِ، بل اعتادَ على إدمانِ الحربِ.
وعندما يُعرضُ السلامُ على مجتمعٍ مدمنٍ على الصراعِ، تظهرُ أعراضُ الانسحابِ، غضبٌ، تخوينٌ، إنكارٌ، تصعيدٌ، خطابٌ تعبويٌّ هستيريٌّ، محاولاتٌ لافتعالِ حوادثَ تعيدُ الجميعَ إلى نقطةِ الصفرِ.
لهذا، فإنَّ أخطرَ ما قد يحصلُ في الأيامِ المقبلةِ ليس فشلَ التفاوضِ فقط،بل نجاحُ دعاةِ الفوضى في إفشالِ نفسيةِ السلامِ قبل أن يولدَ السلامُ نفسُه.
بالنهايةِ، لبنانُ لا يحتاجُ فقط إلى اتفاقٍ سياسيٍّ. لبنانُ يحتاجُ إلى علاجٍ وطنيٍّ جماعيٍّ من إدمانِ الحربِ.
فالذين تربَّوا على أنَّ الموتَ بطولةٌ، وأنَّ الخرابَ صمودٌ، وأنَّ السلامَ خيانةٌ، لن ينتقلوا بين ليلةٍ وضحاها إلى منطقِ الدولةِ.
هؤلاء يحتاجون إلى احتواءٍ، وتفكيكِ سرديةٍ، وبناءِ معنى جديدٍ للكرامةِ والانتماءِ.
أما الدولةُ، فإذا كانت جادةً فعلًا هذه المرةَ، فعليها أن تفهمَ أنَّ نزعَ السلاحِ يبدأُ أولًا من نزعِ القداسةِ عن الحربِ.
لأنَّ السلامَ الحقيقيَّ لا يبدأُ حين تصمتُ الجبهاتُ فقط، بل يبدأُ حين يتوقفُ الناسُ عن عبادةِ الجبهةِ نفسها.
لبنانُ اليومَ أمام فرصةٍ تاريخيةٍ، إمَّا أن يُحوِّلَ الهدنةَ إلى دولةٍ، وإمَّا أن يتركَ أصحابَ عقيدةِ الموتِ يسرقون منه حتى فرصةَ الحياةِ الأخيرةِ.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير