الانهيار الصامت وهذا “اللبنان” الذي لا نريده

خاص بوابة بيروت

يقوم المشهد اليوم في لبنان والمنطقة على احتمالات أكثر منه على حقائق نهائية، وهذا ما يجعل المستشرفين أنفسهم بحالة قلق واضطراب يتزامن مع حالات عدم الاستقرار على المستويات كافّة. ولعلّ هذا ما دفع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إلى تكرار مواقفه الثابتة مع رفعه سقوف المواجهة في ظلّ هذه المرحلة المصيرية من حياة الوطن. في وقت رسم فيه الاسرائيلي منطقة الاشتباك الجديدة التي تبدأ من الخطّ الأصفر الذي رسمه بالدّم الأحمر، متابعًا مواجهته في تحقيق أهدافه بما سمحه له وقف إطلاق النّار الذي استجدته منظّمة حزب الله ممّن تسمّيه الشيطان الأكبر.

جعجع يرسم خارطة طريق المرحلة المقبلة

اعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أنّ ذكرى انسحاب الاحتلال السوري هي “يوم مجيد”، داعيًا إلى ما هو أبعد من الاحتفال: فرض الدولة سلطتها الكاملة على كامل الأراضي. واستعاد نصّ اتفاق الطائف الذي يفرض حلّ جميع الميليشيات وتسليم سلاحها للدولة ضمن مهلة واضحة، معتبرًا أنّ استمرار السلاح خارج الشرعية يُسقط وهم “المقاومة السرمدية” ويكرّس دولة عميقة تمتد بين القضاء والأمن والسياسة.

وفي تصعيد مباشر، شدّد جعجع على أنّ أي تفاوض لا معنى له قبل قرار سيادي حاسم ببسط السيطرة على الحدود، رافضًا “هذا اللبنان إن كان سيبقى على هذه الحال” وواصفًا الواقع بـ“تراجيديا مستمرة منذ أربعين عامًا”. وذهب أبعد، مطالبًا بمحاسبة حزب الله لا بمقايضته، ومحذرًا من انهيار اقتصادي لدولة مفلسة تُدفع إلى حروب لا تريدها، في وقتٍ يشكّل فكّ الارتباط مع إيران فرصة أخيرة لقيام دولة فعلية، إن وُجد القرار. وهذا ما يؤكّد لأي مراقب فرضيّة تعليق الدّولة، وليس مجرّد وجود دولة ضعيفة فحسب. فهل مَن يجرؤ للمبادرة؟

هدنة مؤقتة وترقّب الانفجار المؤجَّل

هذا الهدوء الحالي الذي نعيشه مناطقيًّا ليس سلامًا بل هو إدارة للانفجار المرتقب. وما يثبت ذلك استمرار الاسرائيلي بعمليّاته في منطقة جديدة فرضها بقوّة الأمر الواقع في ما بات يعرف بالخطّ الأصفر الذي رسمه بالدماء والتفجيرات والتهجير والتدمير. فالواضح حتّى الساعة أنّ نجاح الاسرائيلي بخلق منطته العازلة آيل إلى التوسّع، في حين أكّد أكثر من مصدر أنّه عازم على استعادة خطّة عمليّة الليطاني في العام 1978. وهذا ما يفسّر استمراره بما يقوم به حيث تبقى هدنته مؤقّتة رهنًا بالانفجار الكبير الذي قد يبدأ من فشل إسلام آباد في تحقيق الخرق المفاوضاتي بين كلّ من الولايات المتّحدة وإيران.

وسط ذلك يستمرّ فريق حزب الله بطرح نظريّته في المفاوضات غير المباشرة على وقع ارتفاع حدّة في الميدان متوقّعة هذا الأسبوع، وقد تسقط كلّ معايير الهدنة، ولا سيّما بعد محاولة اغتيال الرئيس ترامب الأخيرة. وهذا ما يطرح تساؤلات سرعان ما ستنجلي فور انكشاف حقيقة دوافع الذي أقدم على هذه العمليّة.

وإن استمرّت هذه الدّولة بعجزها قد يعاد تعريف موقع لبنان في الإقليم كلّه من خلال هذه المفاوضات تمهيدًا لبناء دولة جديدة قادرة أن تلعب دورًا إيجابيًّا في المستقبل. وإيران مستمرّة بمناوراتها التفاوضيّة من البحرين إلى باكستان في محاولة لشراء الوقت مع الأميركي مع إصرارها على جعل لبنان صندوقة البريد وساحة الاختبار. فإلى متى سيتحمّل اللبنانيّون بعد في وقت أضحى الصمت الوطني فيه الجريمة الوطنيّة الوحيدة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان؟

قطع دابر التمويل غير الشرعي لمنظمة حزب الله

سلّطت الزميلة زينة باسيل الضوء على تقرير صادر عن مركز توثيق الإسلام السياسي حول شبكات تمويل حزب الله في أوروبا منذ 2018، حيث يستغلّ الحزب الأطر “الشرعية” كالجمعيات والعملات الرقمية لتغذية اقتصاده الموازي. وبحسب الدراسة، لم تنجح الحرب ولا العقوبات الأوروبية الهشّة في كبح هذه الشبكات، خصوصًا مع الفصل الأوروبي بين الجناحين العسكري والسياسي، ما حوّل القارة إلى منصة لغسل الأموال المتأتية من أنشطة غير مشروعة تمتد من أميركا اللاتينية إلى أفريقيا من المخدّرات إلى النّفط والألماس.

أهمية التقرير لا تكمن فقط في فضح المسارات المالية، بل في توقيته، إذ نجحت الزميلة باسيل في كشف الانهيار الصامت المستمرّ في ظلّ السياسة الرابضة في الواجهة، لبنان يغرق اقتصاديًا فيما السلطة تتفرّج. لا إصلاح، لا خطة، فقط إدارة للانهيار وتكيّف معه. والسؤال الذي يفرض نفسه، فهل كتب علينا أن نبقى في ستاتيكو التأقلم مع السقوط دائمًا؟

التخوف من أيلول، محطة مفصلية أم وهم سياسي؟

الكثير من التقديرات يربط التحولات بشهر أيلول، إذ يتوقّع المراقبون بأنّه سيكون شهر التسويات الحاسمة، ولا سيّما بعد تصريح الرئيس الأميركي عن زيارة مرتقبة للرئيس اللبناني إلى واشنطن للقاء نتانياهو هناك. على وقع سيناريوهات ثلاثة باتت تطرح في هذه المرحلة:

  • هل سيتمّ تثبيت الهدنة تحت مسمّى اتّفاق جديد؟
  • هل سيُعطى الاسرائيلي الضوء الأخضر الأميركي للتصعيد الأكبر قبل السلام الأعظم؟
  • هل ستنجح التسوية الإقليميّة على حساب هذا ” اللبنان” الذي أشار إليه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وأي لبنان سيولد بعدها؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك