العفو العام بين العدالة والغطاء الطائفي : عندما يتحوّل القانون إلى أداةٍ لحماية المنظومة
بقلم هيثم الحكيم – خاص بوابة بيروت
في الدول التي تقوم على أسس العدالة وسيادة القانون، يُفترض أن يكون العفو العام إجراءً استثنائيًّا يُستخدم لتحقيق المصالحة الوطنيّة أو معالجة ظروفٍ تاريخيّةٍ محدّدة ضمن إطارٍ قانونيٍّ وأخلاقيٍّ واضح. أمّا عندما يتحوّل هذا المفهوم إلى وسيلةٍ لحماية المرتكبين وتبييض صفحات المتورّطين بالجرائم والفساد والخيانة، فإنّ الدولة تدخل مرحلةً خطيرةً يصبح فيها القانون نفسه جزءًا من الأزمة بدلًا من أن يكون الحل.
في لبنان، يُثير الحديث المتكرّر عن قوانين العفو العام انقسامًا واسعًا داخل الرأي العام، ليس بسبب المبدأ القانوني بحدّ ذاته، بل بسبب الطريقة التي يُطرح ويُستخدم بها داخل النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفيّة والحزبيّة. فكثيرٌ من اللبنانيّين باتوا ينظرون إلى هذه الطروحات على أنّها امتدادٌ مباشرٌ لمنظومة الحماية السياسيّة والمذهبيّة التي وفّرت، على مدى سنوات، مظلّاتٍ آمنةً للهاربين من المحاسبة والمتورّطين في ملفاتٍ أمنيّةٍ وجرائم خطيرة وفسادٍ ماليٍّ وإداريّ.
تكمن المشكلة الأساسيّة في غياب المساواة أمام القانون. فالمواطن اللبناني العادي الذي يعيش ضمن إطار الدولة والقانون، ويدفع ثمن الأزمات والانهيارات من حياته وكرامته ومستقبله، يشعر بأنّ العدالة تُطبَّق عليه وحده، بينما يتمكّن أصحاب النفوذ والارتباطات السياسيّة والطائفيّة من الحصول على التسويات والحمايات والتبريرات تحت عناوين مختلفة، أبرزها “العفو العام” أو “المصلحة الوطنيّة”.
ومع كلّ نقاشٍ حول إصدار قانون عفوٍ جديد، يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: هل الهدف الحقيقي هو تحقيق العدالة الاجتماعيّة والمصالحة، أم حماية القوى المتنفّذة وإعادة تدوير الأزمات ضمن توازنات النظام الطائفي القائم؟
إنّ أخطر ما في هذا الواقع هو تكريس ثقافة الإفلات من العقاب. فعندما يرى المواطن أنّ القاتل أو المجرم أو المتورّط بقضايا تمسّ أمن المجتمع يمكن أن يعود إلى الحياة السياسيّة أو الاجتماعيّة محميًّا بغطاءٍ حزبيٍّ أو مذهبيّ، فإنّ ذلك يضرب ثقة الناس بمفهوم الدولة ويُعزّز القناعة بأنّ الانتماء السياسي أصبح أقوى من القانون نفسه.
كما أنّ استخدام الخطاب المذهبي لتبرير قوانين العفو يُساهم في تعميق الانقسامات داخل المجتمع اللبناني، حيث تتحوّل العدالة إلى مادّة تفاوضٍ بين القوى السياسيّة، وتصبح حقوق الضحايا وعائلاتهم جزءًا من التسويات السياسيّة لا من أحكام القضاء المستقل.
إنّ بناء دولةٍ حقيقيّةٍ لا يمكن أن يقوم على منطق الحصانات الدائمة أو العفو الانتقائي، بل على مبدأ المحاسبة الشاملة والعادلة. فالدول لا تستعيد ثقة شعوبها من خلال حماية المرتكبين، بل عبر ضمان ألّا أحد فوق القانون مهما كان انتماؤه السياسي أو الطائفي.
لبنان اليوم بحاجةٍ إلى إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والقانون، وبين العدالة والسياسة. فإمّا أن يبقى العفو العام أداةً تُستخدم ضمن توازنات المنظومة الحاكمة لحماية نفوذها وإدارة أزماتها، وإمّا أن تتّجه الدولة نحو تأسيس مرحلةٍ جديدةٍ تقوم على قضاءٍ مستقلّ، وعدالةٍ حقيقيّة، ومواطنةٍ متساويةٍ لا تُمنح فيها الحقوق على أساس الولاء المذهبي أو الحزبي، بل ضمن دستورٍ جديدٍ يُعيد صياغة العقد الاجتماعي بين المجتمع والدولة، لبناء مؤسّساتٍ تعمل بمسارٍ مشتركٍ ومتوازنٍ لخدمة الإنسان.
فالعدالة ليست شعارًا سياسيًّا، بل أساس بقاء الدولة نفسها. وعندما يفقد المواطن إيمانه بأنّ القانون يحميه بالتساوي مع غيره، يصبح الوطن بأكمله مهدّدًا بفقدان آخر ما تبقّى من ثقة الناس بمؤسّساته ومستقبله.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير