
كاتبة وناشطة سياسية
أخطر معارك #العصر ليست على #الأرض بل على #الوعي
بقلم خلود وتار قاسم
@kholoudwk
أحيانًا عندما أكتب عن الوعي أو عن التحولات السياسية والاجتماعية التي نعيشها، يُقال لي إنني أتحدث بالمثاليات أو أضيّع وقتي. ثم أنظر حولي فأجد أن أكثر ما يثير الاهتمام والتفاعل هو ما كان يُعتبر يومًا تفاصيل هامشية في حياة الناس.
لا أقول إن الفرح أو المحتوى الاجتماعي أو الترفيه أمور سيئة. فالحياة لا تُبنى على القلق الدائم. لكن ما يقلقني حقًا هو أن يصبح الهامش هو المهم، وأن يصبح الضجيج أعلى صوتًا من الحقيقة.
نحن نعيش مرحلة انتقالية استثنائية في تاريخ العالم والمنطقة. تتغير موازين القوى، وتُعاد صياغة الاقتصادات، وتتبدل التحالفات، وتتطور التكنولوجيا بسرعة تفوق قدرة المجتمعات على استيعاب آثارها. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون أخطر ما يواجه الأوطان هو ما يحدث على الحدود فقط، بل ما يحدث داخل العقول.
في الماضي، كانت صناعة الرأي العام حكرًا على الحكومات والإعلام والمؤسسات الكبرى. أما اليوم، فقد أصبح كل إنسان يحمل في جيبه وسيلة إعلام كاملة. هذا الهاتف الصغير الذي نحمله جميعًا أصبح أقوى من كثير من المنابر التقليدية التي كانت تشكل وعي المجتمعات.
كل واحد منا يمتلك اليوم سلاحًا، ليس سلاحًا يطلق الرصاص، بل سلاحًا يطلق الأفكار.
بضغطة زر نستطيع أن ننشر معرفة أو جهلًا، وعيًا أو تضليلًا، أملًا أو كراهية، حقيقة أو إشاعة. وبضغطة زر أيضًا نستطيع أن نساهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا، أو في زيادة الانقسامات التي تنهكه.
لهذا لم يعد أحد منا مجرد متفرج.
كل مشاركة، وكل تعليق، وكل فيديو نعيد نشره لأنّه “ترند”، هو موقف. وكل دقيقة نعطيها لمحتوى فارغ على حساب قضية تستحق التفكير، هي مساهمة ـ ولو غير مقصودة ـ في تشكيل المجتمع الذي سنعيش فيه غدًا.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها. فهذه الأدوات قادرة على نشر العلم كما تنشر التفاهة، وعلى بناء الجسور كما تبني الجدران.
المشكلة في الطريقة التي نستخدمها بها.
هل نجعلها وسيلة لتقريب الناس من بعضهم، وفهم مشاكلهم، والبحث عن حلول حقيقية؟ أم نجعلها أداة لتغذية الغضب والانقسام والتفاهة والاستهلاك الأعمى؟
لهذا أعتقد أن معركة هذا العصر ليست معركة معلومات، فالمعلومات متاحة للجميع. إنها معركة وعي.
معركة على انتباهنا، وعلى أولوياتنا، وعلى قدرتنا على التمييز بين ما يستحق أن نمنحه وقتنا وما لا يستحق.
فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، تحميها أيضًا عقول مواطنيها.
وكل واحد منا مسؤول اليوم أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط عما يفعله، بل عما ينشره، وما يروّجه، وما يسمح له بأن يحتل مساحة من وعي الناس.
لأن الكلمة أصبحت قوة، والهاتف أصبح منبرًا.
وأصبح كل واحد منا، من حيث يدري أو لا يدري، شريكًا في بناء المجتمع أو في هدمه.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير