لبنان من بند تفاوضي إلى بند تنفيذيّ: هل يعود 6 شباط؟

خاص بوابة بيروت

نجح اتّفاق الإطار بنقل لبنان إلى المرحلة القادمة، حيث لم يعد موضوعًا للتفاوض، بل أضحى بندًا في محاضر التنفيذ. ما يعني عمليًّا على أرض الواقع إسقاط القرار الذي كانت تتّخذه طهران في بيروت عبر منظّمة حزب الله، لتصبح بيروت المكان الذي يجب أن يُترجم فيه القرار في الميدان.

وهذا ما جعل من “الثنائيّين” في حالة ذعر وغضب، لأنّهم فقدوا أوراق قوّتهم في بيروت. وطهران باعتهم على طاولة المفاوضات بتخلّيها عن قدرتها على انتزاع وقف إطلاق نار من هنا، أو تغيير معادلات سياسيّة في الميدان من جهة أخرى. فهل ما يجري اليوم هو تفاوض فعلًا، أم تنفيذ تدريجي لتفاهمات إقليمية ودولية أصبحت خطوطها العريضة أوضح بعد الاتّفاق الإطاري ومذكّرة التفاهم؟

من المواجهة العسكرية إلى العبء الداخلي

إسرائيل لم تعد تبحث عن نزع سلاح حزب الله دفعة واحدة، بل عن تحويله إلى عبء داخلي. ولعلّ هذا ما نراه أخطر من المواجهة العسكرية المباشرة.

وهذا ما تمّ ترجمته بشكل فوريّ، ولو بدا عفويًّا في الظاهر، إلّا أنّه من السذاجة الاعتقاد بأنّ هكذا أفعال قد تكون عفويّة، بل ما أقدم عليه بعض الموتورين إنّما كان عمليّة جسّ نبض لردّة فعل الشارع المقابل وللمؤسسات الأمنية والعسكريّة والقضائيّة.

فالشارع المقابل وقف بموقع المتفرّج ولم ينجرّ إلى مواجهة “شوارعيّة” لطالما سعت إليها منظّمة حزب الله تحت ذريعة الفتنة. وهذا ما تزامن مع تصريحات بعض نوابها وقياديّيها السياسيّين والرّوحيين الذين سارعوا محذّرين من الفتنة.

ولعلّ أبرزهم كان رئيس حركة أمل نبيه برّي الذي خاطب اللبنانيّين وجمهوره على وجه التحديد، مستذكرًا قولًا يُنسب إلى الإمام علي بعد الفتن الداخلية التي عصفت بالدولة الإسلامية عقب مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وما تلاها من أحداث مثل معركة الجمل ومعركة صفّين، معيدًا:

“كُنْ في الفتنةِ كابنِ اللَّبون، لا ظهرٌ فيُركَب، ولا ضرعٌ فيُحلَب”.

Game Over

مسألة وقت ليستوعب هؤلاء كلّهم أنّ زمن الأوّل قد تحوّل؛ وما كان جائزًا في 7 أيار 2008 لم يعد كذلك. Game Over. فالنّاس ملّت من الشعارات التي لم تجلب سوى الانكسار والدّمار.

وهذا ما تمّت ترجمته بتنظيم الدّعوة إلى التّظاهر أمام السراي الحكومي، فأتى الجواب من مناصري المنظّمة بعدم التّجاوب. فالنّاس باتوا يعلمون أنّ الاتّفاق الإطاري الذي حدث رفع كلفة الرّفض أكثر، وباتوا يدركون أنّ البدائل أصبحت أكثر إيلامًا من الضغوط نفسها.

براد كوبر… رسالة أم إنذار؟

ذلك كلّه على وقع توقّف المفاوضات في سويسرا هذا الأسبوع بين طهران وواشنطن بسبب تجدّد القتال، فيما لا تزال بنود الاتّفاق الإطاري السريّة غير واضحة. إلّا أنّ أبرزها قد يُترجم بوصول الأميرال في البحرية الأميركية والقائد الحالي لـ United States Central Command (القيادة المركزية الأميركية)، والمسؤول عن العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، براد كوبر اليوم إلى بيروت قادمًا من تل أبيب.

وربّما قد يحمل معه جواب إيران بالقبول بتحوّل حزب الله إلى حزب سياسي، لأنّ ذلك سيكون ثمنًا لحماية النظام الإيراني نفسه. أو قد يحمل تحذيرًا من كلفة عدم تطبيق الاتّفاق الإطاري، وسط ارتفاع الحديث داخل إسرائيل، من قبل اليمين المتطرّف، بالدعوة إلى الاستمرار بالأعمال العسكريّة وإيقاف المساعي الديبلوماسيّة بالكامل.

التصعيد الميداني واحتمال تطيير الإطار

وهذا ما تزامن مع توسيع الخطّ الأصفر ليشمل كفرتبنيت وعلي الطّاهر (شمال الليطاني)، وهذا ما يشير إلى أنّ الإسرائيلي عازم على التّصعيد، ولا سيّما بعد مقتل ضابط من ضبّاطه برتبة نقيب، وعلى وقع رفض منظّمة حزب الله تسليم منشأة “عماد 4” للجيش اللبناني.

وهذا ما يؤشّر إلى إمكان تطوّر الأمور ميدانيًّا للأسوأ. وقد تكون هذه المسألة المخرج الذي ستعتمده المنظّمة لتطيير الإطار.

أحلام 6 شباط… هل تعود؟

وفي السياق تستعاد أحلام 6 شباط 1984، حيث اندلعت في ذلك اليوم انتفاضة مسلّحة في بيروت الغربية قادتها بصورة رئيسية حركة أمل، بمشاركة قوى أخرى متحالفة معها، ضد الجيش اللبناني والقوات الحكومية، في ظل وجود قوات متعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا بعد الاجتياح الإسرائيلي.

أبرز ما نتج عن هذه الانتفاضة سقوط اتّفاق 17 أيّار 1983، واستقالة حكومة الرئيس شفيق الوزان لاحقًا، وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة الرئيس رشيد كرامي. وهذا ما أدّى إلى تعزيز النفوذ السوري في لبنان، وتراجع النفوذ الأميركي بعد انسحاب قوات المارينز والقوات المتعددة الجنسيات خلال عام 1984.

فتغيّرت موازين القوى الداخلية، وسقط المشروع السياسي الذي كان يسعى إلى تثبيت اتفاق 17 أيار.

الإقليم تغيّر… والرهانات القديمة سقطت

هذه الأحلام لم تعد قابلة للتطبيق اليوم. فكلّ شيء تغيّر. سوريا الأسد ماتت. العروبة القوميّة والبعثيّة صارت بالكاد سطرًا من كتب التّاريخ.

أمّا العراق، الذي يعقدون الآمال على إعادة تشكّله كقاعدة إيرانيّة للانطلاق منها إلى بيروت ودول الجوار مجدّدًا، فكان الحدث أمس بعد سلسلة اعتقالات ظاهرها مكافحة الفساد، لكن حقيقتها اعتقال هذه النواة القياديّة وإعلان الخروج كلّيًّا من تحت العباءة الإيرانيّة، ما اعتُبر استكمالًا لحلّ ميليشيات إيران في مرحلة سابقة. فهل ستنجح واشنطن في لبنان، ليصبح النموذج اللبناني قابلًا للتكرار في العراق واليمن؟

سلام اقتصادي قبل السلام السياسي

لعلّ هذا ما قد يعطي الملف اللبناني بعدًا إقليميًا أكبر ممّا يبدو عليه، ولا سيّما إن نجحت المؤسّسات الشرعيّة بترجمة قرارات الحكومة اللبنانيّة السياسيّة، وبتثبيت الاتّفاق الإطاري. فلبنان قادم على مرحلة سلام اقتصاديّ قبل السلام السياسي، لأنّ شارع المنظّمة بحاجة إلى إعادة تنظيم. وقد تثبت الأيّام القادمة فيما إذا كان هذا الشارع قادرًا على إعادة تنظيم ذاته مع كوكبة من أحراره، أم سيدخل في حالة فوضى في الانتماء الوطني.

فهل سيستوعب أنّنا انتقلنا إلى مرحلة إدارة مجتمعه بعد إدارته ترهيبًا وترغيبًا وتهميشًا بالسلاح؟

لبنان الجديد بعد إسقاط نموذج 6 شباط

قد يكون أخطر ما في المرحلة القادمة أنّ الجميع يتحدث عن وقف إطلاق النار، بينما التغيير الحقيقي يجري في بنية النظام اللبناني.

وهكذا قد لا يكون أكبر خاسر حزب الله ولا إسرائيل، بل الطبقة السياسية اللبنانية التي اعتاشت على التوازنات القديمة.

فكيف سيكون لبنان الجديد بعد إسقاط نموذج 6 شباط 1984؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك