من يحمي الدولة، ومن تكافِئه الدولة؟

بقلم جوسلين يمّين – خاص بوابة بيروت

ليس من الحكمة أن تتحوّل رواتب المسؤولين إلى مادة للمزايدات، كما ليس من العدالة أن يبقى موظف الإدارة العامة الحلقة الأضعف في كل إصلاح مالي. لكن عندما تتسع الهوة إلى هذا الحد بين ما يتقاضاه أصحاب القرار وما يتقاضاه من ينفذون قراراتهم، يصبح الصمت مشاركة في تكريس الظلم.

ليس السؤال اليوم: كم يتقاضى النائب؟ فكل مسؤول يستحق تعويضًا يليق بحجم مسؤولياته. السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يستحق موظف الإدارة العامة، الذي يحمل الدولة على كتفيه منذ سنوات الانهيار، معاملة مماثلة من حيث العدالة والإنصاف؟

هذا الموظف، الذي يفتح أبواب الإدارات كل صباح، ويستقبل المواطنين، وينجز معاملاتهم، ويؤمن استمرارية المرفق العام رغم الظروف القاسية، لا يزال يعيش على راتب أساسي فقد قيمته منذ سنوات، فيما تُمنح له زيادات مؤقتة لا تدخل في أساس الراتب، ولا تحمي مستقبله، ولا تؤمن له معاشًا تقاعديًا كريمًا.

أي منطق اقتصادي يقبل أن تبقى رواتب آلاف الموظفين رهينة “المساعدات الاجتماعية” بدل أن تُصحح وفق رؤية عادلة؟ وأي إصلاح إداري يمكن أن ينجح إذا كان الإنسان الذي يشكل أساس الإدارة يشعر بأنه متروك لمصيره؟

إن أخطر ما في المشهد اللبناني ليس ارتفاع مخصصات هذه الفئة أو تلك، بل غياب معيار واحد للعدالة. فعندما تستطيع الدولة أن تؤمن اعتمادات لفئة معينة، لكنها تعجز عن إعادة الاعتبار إلى رواتب موظفيها، فإن المشكلة لا تصبح مالية فحسب، بل سياسية وأخلاقية أيضًا.

لقد أثبت موظفو الإدارة العامة، خلال أصعب سنوات الانهيار، أنهم لم يتخلوا عن مسؤولياتهم رغم تدهور أوضاعهم المعيشية. تحملوا انهيار العملة، وارتفاع الأسعار، وتآكل قدرتهم الشرائية، فيما كانت الإدارات تعمل بإمكانات شبه معدومة. ومع ذلك، استمرت الدولة بفضل من بقي في موقعه، مؤمنًا بأن الخدمة العامة رسالة قبل أن تكون وظيفة.

لكن الرسالة وحدها لا تطعم أسرة، ولا تؤمن تعليمًا، ولا استشفاءً، ولا تحفظ كرامة الإنسان. والدولة التي تكتفي بشكر موظفيها، من دون أن تعطيهم حقوقهم، إنما تدفعهم تدريجيًا إلى اليأس أو الهجرة أو ترك الخدمة العامة.

إن العدالة لا تعني المساواة المطلقة في الرواتب، بل تعني أن يشعر كل من يخدم الدولة بأن حقوقه مصانة، وأن التضحيات التي يقدمها لا تُقابل بالتجاهل. فلا يمكن بناء إدارة حديثة على موظف يرزح تحت الضغوط الاقتصادية، فيما يُطلب منه تقديم أفضل أداء.

إن إعادة الاعتبار للإدارة العامة تبدأ بإعادة الاعتبار لموظفيها. تبدأ بتصحيح الرواتب بصورة دائمة، وإدخال جميع الزيادات في أساس الراتب، وتأمين ضمانات تقاعدية تحفظ كرامة من أفنى عمره في خدمة الدولة.

فالدول لا تسقط يوم تعجز عن دفع الرواتب، بل يوم يشعر موظفوها أن وطنهم لم يعد يشعر بهم.

إن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مسؤول على نفسه اليوم ليس: كم كلفت زيادة الرواتب؟ بل: كم ستكلف الدولة خسارة موظفيها وثقتهم بها؟

لأن الدولة التي لا تنصف من يخدمها، تخاطر بأن تفقد أهم عناصر بقائها: الإنسان.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك