بهذه الطريقة تُستعاد بيروت

بقلم عقل العويط

;

أكرّر: بيروت مستنقعٌ آسِنٌ ومدينةٌ ميتةٌ وقتيلة. وهي تعيش عيشًا بهيميًّا لاإنسانيًّا.

لكنّ ذلك ليس قَدَرًا، فهي تُستعاد بالطريقة أدناه:

تُستعاد “وهذه ضرورةٌ مطلقة” بإعادة الاعتبار إلى طبقتها المجتمعيّة المدينيّة والثقافيّة الوسطى، التي “أبيدت” عن آخرها، بفعل التوحّش الاقتصاديّ، والتسعير الميليشيويّ، والانهيار الماليّ، والترييف المأسويّ، معًا وفي آنٍ واحد.

وتُستعاد بتحريرها حربيًّا وعسكريًّا وأمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا ومجتمعيًّا، وبجعلها آمنةً، ومحميّةً إنسانويّةً وعقليّةً وثقافيّةً للخلق والأسئلة والاختبار والاختلاف والتنوّع.

يجب المرور بذلك، لا محالة، لأنّ واقعها الراهن يجسّد تشخيصًا جينيًّا مشوّهًا يعطب الخَلْق والخُلُق، ويحول دون الولادة الجديدة المحتملة.

في هذا المعنى، “تحييد” بيروت عن التوحّش الذي يجتاح ذاتها والمنطقة المحيطة والعالم، هو تحييدها عن هذا التشوّه الجينيّ. إزالته شرطٌ لازمٌ للاستعادة.

فما لم تطمئن بيروت إلى جسدها المزدهر، إلى حالتها الشعريّة، إلى مزاجها الروحيّ، باعتبار ذلك كلّه مساحةً للحرّيّة، وما لم تطمئن إلى خلوّها من القتل والإرهاب والترهيب والابتزاز والاستيلاء، فعبثًا كلّ محاولةٍ لاستعادتها. بل عبثًا كلّ زعمٍ باحتمال استعادتها لتكون مدينةً وعاصمةً ومكانًا وفسحةَ حياةٍ وبحبوحة.

ما لم تعد “مكانًا”، ما لم تعد هي “المكان”، و”الحالة”، و”المناخ”، فباطلٌ كلّه.

ما كان من زهوها الفريد، أو يشبه الذي كان، ويوازيه، هو مناخٌ – حالةٌ، ولا يمكن أنْ يُؤمَل مثيله إلّا بالأمان الثقافيّ – المجتمعيّ – الاقتصاديّ – الحربيّ، وبتوافر الشروط والموجبات والمكوّنات الموصولة بتعقيدات الحاضر الأنويّ والآخريّ، الذاتيّ والموضوعيّ، الداخليّ والخارجيّ، اللبنانيّ – العربيّ – الإنسانويّ على السواء؛ معًا وفي آنٍ واحد. وبسلاسة. وبدون اجتزاءٍ إو إنقاصٍ أو افتعالٍ أو قسرٍ أو إرغام.

هذه هي في اعتقادي الكيفيّات التي من خلالها يُستدعى التفكّر في “استعادة” بيروت. إنّها مسألة كيفيّات ومعطيات غير متوافرة، لكنّ توافرها الافتراضيّ، ثمّ الفعليّ، ليس مستحيلًا البتّة، فمن شأنه تسهيل السبل للوصول إلى “المناخ” الذي يلائم الولادة من جديد.

وهو يكون ممكنًا، عندما تتوافر “النيّة” (العقليّة والأخلاقيّة) لتحقيق ذلك. ليس من “نيّةٍ” بيّنة عند أحد لتوفير هذا “المناخ”. وليس من “إرادة” (سياسيّة – اقتصاديّة – حربيّة) محلّيّة وإقليميّة ودوليّة. وليس أيضًا وخصوصًا من “قوى” طليعيّة، مادّيّة ومعنويّة وروحيّة، داخليّة أوّلًا، فاعلة ومؤثّرة، تدفع في اتّجاه العمل على – استدعاء – شروطٍ خارجيّة لاستكمال ظروف “المناخ – الحالة” وتكاملها.

التاريخ ينصنع بهذه الطريقة أعلاه، أخذًا في الاعتبار مجمل التغيّرات والتحوّلات التي شهدتها بيروت والمنطقة منذ اتّفاق القاهرة 1969 فحرب لبنان 1975 إلى اليوم.

فإذا من نيّة وإرادة وقوى، فينبغي، والحال هذه، ربط بعضها ببعض، بحيث تتوافر الظروف الملائمة لـ”تفجير” اللحظة التاريخيّة الموضوعيّة، وقدح صوّانها، وكهربة غيومها، واجتراح بروقها وأمطارها.

بيروت “محتلّة”، بمعنى أنّها منفيّةٌ من ذاتها، ومسروقة من جسمها، وهو روح. لا بدّ من إنهاء النفي، ومن بلسمة الجسم المهيض بردّ الروح المسروقة إليه.

روح بيروت وجسدها ضرورتان لذاتها وللمنطقة.

اللعنة التي تستولي على بيروت هي نفسها التي تستولي على جبل عامل وجنوب لبنان وجبل لبنان وطرابلس لبنان وكلّ لبنان والمنطقة برمّتها. ليس من مستقبلٍ، ولا أمنٍ وسلمٍ وسلامٍ لأحدٍ، ولا بحبوحة، ما لم تُرفَع اللعنة عن بيروت.

بيروت تعيش عيشًا بهيميًّا فحسب. يجب أنْ تنتقل بيروت من عيشها البهيميّ المهين هذا إلى حالتها الإنسانيّة.

لعنة المستنقع البيروتيّ الآسن، هي لعنة المقتلة التي تصيب الجميع، داخل لبنان، وفي المنطقة.

ارفعوا هذه اللعنة عن بيروت، تنرفع عن الجميع.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك