السارق والمسروق
–
وتحت العاصفة الشاعرة، والكتّابُ والشعراءُ والأصدقاءُ، والسيّدُ كوبر، إلى خبز المائدة، وما أبهاهم، والشاعرُ هو لبنان، وفي كلّ وقتٍ، ومكان.
وقد رأيتُ؛ لأنّ لبنان مسروقٌ برمّته، ولاستحالة أنْ يُستعاد في المدى المنظور، فيُحيَّد عن التوحشّ المُلِمّ به، وبشعوب المنطقة وبلدانها، ولاستحالة أنْ يكون جميعُهُ، والآن، جمهوريّةً للحلم والحياة والحبّ والشعر والحرّيّة؛ لا بدّ من أن يبقى شيءٌ فيه، شيءٌ منه (ويا ليت كلّه)، متاحًا للانهمام بأمر الأمور، وأكثرُهُ الحياةُ الفرديّة الحرّة، والحياةُ في الحبّ في اللغة في الشعر في النثر، وبعضُهُ الانهمامُ بصون الكرامة، والبحث عن عملٍ (مُجزٍ) إضافيّ، وقليلُهُ أيضًا قطفُ العنب وعصره، قبل أنْ تأتي عليه أسراب الدبّور والزرقط والطير، وتحويله إلى رحيق السبيرتو، تهيئةً لـ”شَيل العرق” بـ”الكركة”، ترويحًا بماء الروح عن أعطاب الكيان والروح.
لكنّ هذا كلّه، أكرّر، لن يغني عن مقارعة “المستحيل”، ويجب، وبكلّ الأثمان: تحييد لبنان، وتحقيق السلام فيه، ووراء حدوده الأربعة، وإنْ “بوضع اليد الأمميّة” عليه، إذا اقتضى الأمر، وبفصلٍ سابعٍ، وبإجماع أعضاء مجلس الأمن. يقول القائل.
والقائل يقول: “السارق” لم يتركْ عشيقًا عاشقًا في العالمَين الواقعيّ والافتراضيّ إلّا “سَرَقَهُ”، ولم يتركْ مطرودًا ولا موجوعًا ولا حالمًا ولا يائسًا ولا متمرّدًا وثائرًا على ظلمٍ وظالمٍ ولا زاهدًا ولا فقيرًا ولا هاربًا ولا لاجئًا ولا منسيًّا ولا رومنطيقيًّا ولا مكسورَ خاطرٍ ولا متصوّفًا ولا مشّاءً ولا جالسًا في مقهى ولا مسافرًا ولا معتزلًا ولا نهرًا ولا غيمةً ولا بحرًا ولا زورقًا في نهرٍ وبحرٍ ولا جحيمًا ولا فردوسًا ولا واديًا ولا ظلًّا ولا جبلًا ولا غابةً ولا امرأةً ولا عشيقةً عاشقةً ولا أمًّا ولا أختًا ولا أخًا ولا صديقًا ولا قصيدةً ولا ليلًا ولا فجرًا ولا نظرةً من عينَين مغمضتَين ولا منتصفَ ليلٍ إلّا “سَرَقَهُ”، ليكون بعضًا من قلب “السارق” وحبّه وشعره وحياته والحرّيّة.
ويقول القائل إنّ “السارق” أعلاه ليس سارقًا، بل ربّما “سارقٌ” لكنْ بلا انتباهٍ، بلا انتباه…
والسرقة تكون بحسب القلب، لا بسواه.
وباطلةٌ أحكامُ السرقات، إنْ لم تكن بأحكام الخافق، يقول القائل.
وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم، “إنّما الأعمال بالنيّات”، ونصّه الكامل: “إنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى، فمَن كانت نيّته هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
و”السارق” أعلاه لم تُكتَنَهْ له نيّةٌ فاسقةٌ، ولم يُرَ له جرمٌ مشهودٌ، وليس بالظنّ يؤخذ، ولا بالشبهة، وإنّما بانتباه العقل.
والحال هذه، وللسبب هذا لا لغيره، ولسببِ مَن هو “السارق” وما هو المسروق، ولأسبابٍ جمّةٍ ليست معروفةً ولا محسوسةً ولا معقولةً، يحسب القائلُ أنّ “السارق” يجب أنْ يُعامَل باعتباره شخصًا مسروقًا لا العكس، فيُرفَع عنه ما اتُّهِم به جزافًا وريبةً، وتُبَيَّض صفحته، ويُسترجَع ما أُخِذ منه قلبيًّا على حين غرّةٍ، وغفلةً، وعفوًا، أو قصدًا، أو بلا انتباهٍ، وبمحضِ احتكاكٍ بين غيومٍ فالتة، وهذه هي المصادفة الموضوعيّة التي يسمّيها السورياليّون الفرنسيّون “le hazard objectif “poetique” ، ويُطَيَّب خاطره، فتُزاد له بدلَ السرقة المزعومة سرقتان، ويُعامَل معاملةَ المجروحين، بل المقتولين، فيُمسَح بالشعر، بالزوفى، بالياسمين، بالناردين، بماء الشفاه، وبالماء السلسبيل، وبالنبع من منبعه، ليعود إلى قلبه، ويعود إليه قلبه، لا شفقةً ولا رفقًا، بل حبًّا ومجّانًا.
وهذا كلُّهُ على ذمّة القائل، وهو السارق والمسروق في آن. والشاعرُ لبنان أيضًا مسروقٌ. والكلُّ يعلم. والله أعلم.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير