إطلاق الأسرى وسقوط علي الطّاهر
التطوّر السياسي - السيادي الذي لم يستوعبه محور إيران بعد يكمن في موقف الرئيس جوزاف عون، الذي وضع السلاح و الاحتلال في خانة واحدة. وهذا، باعتقادي، ما سيزيد الأمور السياسيّة تعقيدًا في لبنان، ولا سيّما بعد الصفعة الدبلوماسية التي تلقّاها المحور، وعلى رأسه مايسترو المجلس "نبيه بري".
خاص بوابة بيروت
التفاوض مستمرّ، لكنّ الجنوب يقترب من لحظة قد تسبق فيها الحربُ السياسةَ، على وقع تفجيرات في بلدات القنطرة وبني حيّان وكفرتبنيت، وصلت أصداؤها إلى بعض مناطق جبل لبنان. وهذه التطوّرات تستدعي عملًا ما للإيحاء بأنّ التفاوض يستطيع ضبط الميدان. وهذا ما قد يستفيد منه الإسرائيلي مرحليًّا، قبل العودة إلى روما، وتامبا من بعدها.
في المقابل، برزت التصريحات الإسرائيلية اللافتة حول السيطرة على علي الطّاهر من فوق الأرض وتحتها، في وقت حذّرت فيه إيران من استهدافه. وهذا يؤشّر إلى أنّ إيران باتت في مكان مختلف، زمنيًّا وسياسيًّا، عن المرحلة كلّها، وحتى عن وجود منظّمتها في لبنان. وهو ما أسقط أسطورة تحوّل هذا الموقع إلى عقدة إقليميّة، ليُثبت مرّة جديدة قدرة القوّة المفرطة التي يستخدمها الإسرائيلي على إسقاط معادلات الميدان التي نجحت المنظّمة، ومن خلفها إيران، في إيهام المفاوض الأميركي تارةً، والمهاجم الإسرائيلي في الميدان تارةً أخرى، بتفوّقها وسيطرتها على الميدان.
دفعة على الحساب للرئيس عون
يمكن قراءة ما يجري على أنّه محاولة لمنح الرئيس جوزاف عون دفعةً سياسيةً على الحساب، تبرّر أمام الداخل اللبناني مشاركته في الجولة المقبلة من المفاوضات في روما وتامبا.
فنتنياهو لا يمنح عون مكاسب من باب تعزيز موقع الدولة اللبنانية، بل قد يكون معنيًّا بمنحه قدرًا محدودًا من الإنجاز يسمح له بالقول إنّ التفاوض بدأ ينتج نتائج ملموسة، سواء في ملف الأسرى أو غيره، وبالتالي يخفّف كلفة الذهاب إلى طاولة تفاوض جديدة. فضلًا عن ذلك، سيستثمر نتنياهو المعلومات التي حصل عليها حول رفات اليهود في لبنان انتخابيًّا.
بمعنى آخر، هذا الملفّ هو في حالة “win-win situation” بالنسبة إلى الإسرائيلي. وهو ضربة دبلوماسية جديدة تلقّتها منظّمة حزب الله، وإيران من خلفها، وكذلك ردّ غير مباشر على سؤال الرئيس برّي عمّا استطاعت الدبلوماسية أن تقدّمه.
لكنّ الخطأ سيكون في اعتبار ذلك تحوّلًا في موازين القوى؛ فإسرائيل قد تمنح عون ما يكفي من الأوكسجين السياسي للبقاء في الحلبة، لا ما يكفي من القوّة الاستراتيجية لتغيير قواعد اللعبة.
التاريخ يعيد نفسه
وهذه ليست سابقة في تاريخ المفاوضات، إذ كثيرًا ما تمنح القوى الأقوى الطرف المقابل مكاسب جزئية للحفاظ على شرعية الشريك المفاوض، وإبقائه قادرًا على متابعة المسار، من دون التخلّي عن أوراق الضغط الأساسية.
ولعلّ تجربة أوسلو تقدّم مثالًا أقرب إلى هذا المنطق؛ فقد أدرك إسحاق رابين وشمعون بيريز أنّ ياسر عرفات يحتاج إلى مكاسب سياسية ورمزية تمكّنه من تسويق خيار التفاوض أمام الفلسطينيين، فكان الاعتراف بمنظّمة التحرير شريكًا وممثلًا للشعب الفلسطيني، إلى جانب ترتيبات الحكم الذاتي والانسحابات المرحلية، جزءًا من بناء شرعية الشريك المفاوض وإبقائه قادرًا على متابعة المسار، فيما بقيت القضايا الأكثر حساسية، من الحدود إلى القدس واللاجئين والأمن، مؤجّلة إلى مفاوضات لاحقة.
والسؤال اليوم هو ما إذا كان ما يُمنح لجوزاف عون يدخل في المنطق نفسه: أي منحه إنجازات تكتيكية كافية لتقوية موقعه الداخلي وإبقائه قادرًا على الذهاب إلى روما وتامبا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييرًا في الشروط الاستراتيجية التي تتحكّم بالمسار التفاوضي.
وهنا تكمن المفارقة النقدية الأهم: فالمكسب الذي يساعد المفاوض على الاستمرار ليس بالضرورة مكسبًا يغيّر ميزان القوى؛ وقد يكون، أحيانًا، جزءًا من الآلية التي تسمح للطرف الأقوى بالحفاظ على المسار وفقًا لشروطه.
ولذلك، فإنّ الاختبار الحقيقي لا يكمن في الإفراج عن أسير أو تقديم خطوة رمزية، بل في معرفة ما إذا كانت هذه «الدفعة» ستتحوّل إلى مكاسب سيادية فعلية، أم أنّها مجرّد جرعة سياسية محسوبة لإيصال جوزاف عون إلى الجولة المقبلة وهو أكثر قدرة على تبرير حضوره، فيما تبقى شروط اللعبة وموازينها بيد الطرف الآخر.
جوزاف عون: المشكلة ليست فقط السلاح، بل استمرار الاحتلال
يبقى، قبل كلّ شيء، أنّ التطوّر السياسي – السيادي الذي لم يستوعبه محور إيران بعد يكمن في موقف رئيس الجمهوريّة، الذي وضع السلاح والاحتلال في خانة واحدة. وهذا، باعتقادي، ما سيزيد الأمور السياسيّة تعقيدًا في لبنان، ولا سيّما بعد الصفعة الدبلوماسية التي تلقّاها المحور، وعلى رأسه مايسترو المجلس.
ويُفهم من فخامته دفاعه عن أداء الجيش، ودحضه التشكيك بدوره في مناطق انتشاره، ولا سيّما في المناطق التجريبية. إلّا أنّ هذا الموقف بحاجة إلى إثباتات ميدانية تضفي الثقة الأوسع في المسار العملاني الذي تنتهجه مؤسّسات الدولة اللبنانية بكاملها.
ولا سيّما أنّ المطالبة بالتجديد لـ«اليونيفيل»، على وقع المرحلة الجديدة التي تقودها فرنسا، ولو من دون الرضى الأميركي، قد ينجح فيها العهد. إلّا أنّ هذا النجاح سيبقى مشروطًا بقدرة التنفيذ، التي لن تتحقّق إلّا بإعطاء المؤسّسات التنفيذية كلّها الغطاء السياسي للتحرّك.
وإلّا، فما الفارق بين قدرة هذه المؤسّسات على الكشف عن الخلايا الإرهابية، وبين انتشارها في الجنوب لدحض المزاعم الإسرائيلية بالكامل وانتزاع الشرعية من قوى الأمر الواقع الماضية في الجنوب، أي المنظّمة وأعوانها؟
في المحصّلة، لا يمكن الربط بين الملفات لمجرّد أنّ الأطراف الخارجية تقبل التزامن نفسه. فإسرائيل لا تزال تربط أمنها الميداني بشروطها الخاصة، التي تعتبر أنّ أدناها تسليم منظّمة حزب الله بالكامل إلى الدولة، بينما لا تزال المنظّمة مصرّة على ممارسة الانتحار الجماعي، وترفض أيّ شيء قبل زوال التهديد الإسرائيلي. وهذا يجعل كلّ طرف قادرًا على تعطيل المسار عبر الملف الذي يصرّ على تقديمه أو وضعه أولًا.
ولعلّ أخطر ما يطرق باب الوطن بأكمله هو أنّ الساحة اللبنانية باتت اليوم عرضة أكثر لحرب شاملة حاسمة للذّهاب بعدها إلى طاولة المفاوضات بهدف القبول بشروط شرعيّة القوّة، بينما لا تزال الفرصة أمام الدّولة اللبنانيّة لاستعمال قوّة الشرعيّة. هذا اللّهم … إن أراد المريدون ذلك.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير