خاص بوابة بيروت
قضية مالفيناس ليست نزاعًا عابرًا على جزر في جنوب الأطلسي، ولا إرثًا انتهى بانتهاء حرب عام 1982.
إنها قضية سيادة أرجنتينية ممتدة منذ القرن التاسع عشر، تستند إلى تسلسل تاريخي وأعمال سيادية ومطالبة لم تنقطع، ثم تحولت مع الزمن إلى قضية دستورية راسخة في الدولة والوجدان الوطني الأرجنتيني.
بريطانيا تسيطر على الجزر فعليًا، لكن السيطرة شيء والسيادة القانونية شيء آخر. وبعد قرابة قرنين على فرض الوجود البريطاني بالقوة، لم يصدر حكم دولي يمنح لندن السيادة، ولم تتنازل الأرجنتين عن مطالبتها، وما زالت الأمم المتحدة تتعامل مع القضية بوصفها نزاعًا على السيادة يستوجب حلًا سلميًا ومتفاوضًا عليه.
1833 : عندما فرضت بريطانيا الأمر الواقع بالقوة
لم تبدأ علاقة الأرجنتين بمالفيناس عام 1982. فقد خضعت الجزر للإدارة الإسبانية حتى عام 1811، ثم استندت الدولة الأرجنتينية الناشئة إلى الحقوق الإقليمية الموروثة عن إسبانيا وفق مبدأ uti possidetis juris، ومارست أعمالًا فعلية في الجزر.
في 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1820 رُفع العلم الأرجنتيني في بويرتو سوليداد باسم المقاطعات المتحدة لريو دي لا بلاتا، وفي عام 1829 أنشأت حكومة بوينس آيرس القيادة السياسية والعسكرية لمالفيناس وعيّنت لويس فيرنيت مسؤولًا عنها.
ثم جاءت نقطة التحول في يناير/كانون الثاني 1833، عندما وصلت السفينة الحربية البريطانية HMS Clio وتحت تفوق القوة البريطانية أُزيلت السلطة الأرجنتينية القائمة وفُرض العلم البريطاني.
لم تحصل بريطانيا يومها على الجزر بمعاهدة تنازل أرجنتينية، ولا بحكم قضائي دولي. ما فرضته السفينة الحربية كان سيطرة فعلية، أما السيادة فبقيت موضع نزاع.
والأهم أن الأرجنتين لم تصمت؛ فقد اعترضت على الإجراء البريطاني واستمرت مطالبتها بالجزر، بما ينفي فكرة أن مرور الزمن كان نتيجة قبول أرجنتيني بالأمر الواقع.
الأمم المتحدة: نزاع السيادة لم ينتهِ
جاء القرار 2065 (XX) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1965 ليشكل محطة مركزية في القضية.
فالقرار لم يمنح السيادة للأرجنتين، لكنه لم يعترف بها لبريطانيا أيضًا. ما فعله، وهو بالغ الأهمية، أنه أقر بوجود نزاع بين الأرجنتين والمملكة المتحدة بشأن السيادة على جزر مالفيناس، ووضع القضية في سياق إنهاء الاستعمار ودعا الطرفين إلى التفاوض للوصول إلى حل سلمي.
وهذا وحده كافٍ لإسقاط الادعاء بأن السيطرة البريطانية الطويلة أنهت النزاع قانونيًا.
ثم جاء القرار 31/49 لعام 1976 داعيًا الطرفين إلى الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية من شأنها تغيير الوضع أثناء استمرار عملية التسوية.
ومن هنا تكتسب عمليات استغلال النفط والثروات البحرية أهمية تتجاوز الاقتصاد. فحين تكون السيادة نفسها محل نزاع دولي قائم، يصبح التصرف المنفرد بالموارد جزءًا من النزاع، ولهذا ترفض الأرجنتين منح التراخيص واستغلال الثروات في المناطق التي تعتبرها جزءًا من أراضيها ومجالاتها البحرية.
الدستور الأرجنتيني حسم موقف الدولة
في عام 1994 انتقلت قضية مالفيناس من الاستمرارية السياسية والتاريخية إلى نص صريح في أعلى هرم النظام القانوني الأرجنتيني.
فالحكم الانتقالي الأول من الدستور يؤكد السيادة الشرعية وغير القابلة للتقادم للأمة الأرجنتينية على جزر مالفيناس وجورجيا الجنوبية وساندويتش الجنوبية والمجالات البحرية والجزرية المقابلة، باعتبارها جزءًا من التراب الوطني.
والأهم أن الدستور جعل استعادة هذه الأراضي والممارسة الكاملة للسيادة عليها، مع احترام أسلوب حياة سكانها ووفقًا لمبادئ القانون الدولي، هدفًا دائمًا وغير قابل للتنازل للشعب الأرجنتيني.
الدستور الأرجنتيني لا يشكل بمفرده حكمًا دوليًا ملزمًا لبريطانيا، لكنه يحسم شيئًا أساسيًا داخل الدولة: مالفيناس ليست موقف حكومة ولا شعار رئيس؛ إنها قضية وطن وسياسة دولة والتزام دستوري.
مالفيناس في قلب الأرجنتين
لكن من يقرأ قضية مالفيناس بالنصوص القانونية وحدها لا يفهمها كاملة.
في الأرجنتين، مالفيناس حاضرة في المدارس والجامعات والساحات والنصب التذكارية وأسماء الشوارع والمؤسسات، وفي ذاكرة الجنود والمحاربين القدامى وعائلات الذين لم يعودوا من حرب 1982.
وعبارة «Las Malvinas son argentinas» مالفيناس أرجنتينية ليست مجرد شعار سياسي. إنها جزء من الذاكرة الوطنية المشتركة، ومن القضايا القليلة التي استطاعت عبور الانقسامات الحادة بين اليمين واليسار وبين الحكومات المتعاقبة.
يمكن للأرجنتينيين أن يختلفوا في كل شيء تقريبًا؛ في الاقتصاد والحكومة والأحزاب والرؤساء والسياسة الخارجية. لكن مالفيناس بقيت أكبر من تلك الانقسامات.
ولهذا لا يمكن اختزال القضية بنتيجة حرب 1982.
لقد انتهت الحرب، وبقيت مالفيناس في الوجدان الأرجنتيني، وبقيت المطالبة في الدستور، وبقي النزاع أمام المجتمع الدولي.
1982 : انتهت الحرب ولم تنتهِ السيادة
لا يحتاج الدفاع عن الحق الأرجنتيني إلى تبرير قرار الدكتاتورية العسكرية باستخدام القوة عام 1982.
طالب مجلس الأمن في القرار 502 بانسحاب القوات الأرجنتينية ووقف الأعمال القتالية، وانتهت الحرب بانتصار عسكري بريطاني.
لكن القرار 502 لم يمنح بريطانيا السيادة على مالفيناس. ونزاع السيادة كان معترفًا به في الأمم المتحدة منذ القرار 2065 عام 1965، أي قبل الحرب بسبعة عشر عامًا.
وهنا يجب الفصل بين نتيجتين مختلفتين: بريطانيا انتصرت في الحرب واستعادت السيطرة الفعلية، لكنها لم تحصل بذلك على حكم دولي يحسم السيادة لمصلحتها.
انتصار المدافع يحسم المعارك، لا النزاعات القانونية بالضرورة.
الأرجنتين تطرح القانون… وبريطانيا تستحضر القوة
في 3 سبتمبر/أيلول 2026 أعاد الرئيس خافيير ميلي التأكيد في خطاب رسمي أن مالفيناس أرجنتينية، بالتاريخ وبالحق، وأعلن استخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والقضائية والقانونية لمواجهة استغلال الموارد في المناطق المتنازع عليها.
كما شدد الرئيس ميلي على أن قضية مالفيناس قضية وطنية تتجاوز الحكومات والانقسامات السياسية.
وجاء الرد البريطاني في اليوم التالي مؤكدًا تمسك لندن بموقفها، لكن اللافت كان جواب متحدث باسم داونينغ ستريت عندما سُئل عن القدرة على الدفاع عن الجزر، إذ قال إن القوات المسلحة البريطانية في حالة استعداد 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع لحماية المملكة المتحدة ومصالحها.
من الناحية القانونية، لا يكفي هذا التصريح وحده للجزم بوجود تهديد غير مشروع باستخدام القوة وفق المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة. لكن استحضار الجاهزية العسكرية في سياق نزاع تدعو الأمم المتحدة إلى تسويته بالمفاوضات يحمل رسالة سياسية واضحة لا يمكن تجاهلها.
والرد الأرجنتيني الأقوى ليس الدخول في مزايدة عسكرية، بل التمسك بالقانون.
استعادة مالفيناس: بالقانون لا بالمغامرات
طريق الأرجنتين إلى مالفيناس لا يمر بتكرار حرب 1982، بل بمراكمة القوة القانونية والدبلوماسية.
يبدأ ذلك بالتمسك بالقرار 2065 والمطالبة باستئناف مفاوضات السيادة، وإبقاء القضية أمام الأمم المتحدة ولجنة إنهاء الاستعمار والمنظمات الإقليمية، ومواجهة الإجراءات الأحادية المتعلقة بالموارد بالوسائل القانونية والاقتصادية والدبلوماسية المتاحة.
كما يمكن للأرجنتين مواصلة البحث في المسارات القضائية الدولية الممكنة، مع إدراك أن الفصل الملزم أمام محكمة العدل الدولية يتطلب وجود أساس لاختصاص المحكمة، إلى جانب العمل الدبلوماسي لإبقاء النزاع حاضرًا في المؤسسات الدولية.
وفي الوقت نفسه، فإن احترام حقوق سكان الجزر وممتلكاتهم وأسلوب حياتهم ليس نقيضًا للمطالبة بالسيادة، بل التزام نص عليه الدستور الأرجنتيني نفسه.
مالفيناس: حق لا يسقط بمرور الزمن
بعد قرابة قرنين، تستطيع بريطانيا أن تثبت أنها تسيطر على مالفيناس، لكنها لا تستطيع الادعاء بأن المجتمع الدولي أصدر حكمًا نهائيًا أنهى نزاع السيادة لمصلحتها.
وهنا جوهر القضية.
مالفيناس ليست بالنسبة إلى الأرجنتين أرضًا بعيدة في جنوب الأطلسي. إنها جزء من تاريخها، ودستورها، وذاكرتها الوطنية، وجرح حاضر في وجدان شعبها.
والأرجنتين لا تحتاج إلى مدافع جديدة لتثبت ذلك. تحتاج إلى وحدة وطنية، وصبر استراتيجي، وقوة دبلوماسية، واستمرار في استخدام القانون الدولي حتى تعود بريطانيا إلى المكان الذي دعتها إليه الأمم المتحدة منذ عقود: طاولة المفاوضات.
فالاحتلال مهما طال لا ينبغي أن يتحول إلى مكافأة، والقوة مهما عظمت لا تستطيع وحدها أن تصنع شرعية السيادة.
ومالفيناس ستبقى، في الدستور والذاكرة والوجدان الأرجنتيني، قضية وطن لا تسقط بالتقادم.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير