بين حقّ البقاء وجدواه
لكن يبقى أن لبنان باقٍ، في هذه المرحلة، في قلب المعادلة الدولية، وذلك بسبب إشكالية ملف اليونيفيل. فمطالبة الدولة اللبنانية بتمديد المهمة لمدة ستة أشهر قد لا تصل إلى أي نتيجة، مع العلم أن الدول طالبت أيضًا بالعمل على البحث عن صيغة دولية منعًا لأي فراغ أمني. إلا أن على الحكومة اللبنانية الإدراك أن هذه المسألة باتت مرتبطة بمدى قدرتها على فرض قراراتها السياسية على مؤسسات الدولة التنفيذية.
خاص بوابة بيروت
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الاتصالات مع إيران مستمرة، وإنه يعتقد أن تسوية يمكن أن تُنجز، رغم تمسّكه بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وفي المقابل، لا تزال واشنطن تضغط بقوة على طهران اقتصاديًا وسياسيًا.
في خطابه أمام الجمعية العامة، صعّد ترامب لهجته تجاه إيران، داعيًا إلى عزلها اقتصاديًا، بينما بقي باب التفاوض مفتوحًا. وقرأت عدة مصادر سياسية خطاب ترامب على أنه تهديد مبطّن للإيرانيين، مفاده: إما الاتفاق وإما المحو. أي، بمعنى آخر، أن الخيار الثالث، الذي كان تحت مسمّى «الاهتراء الاقتصادي»، تم حذفه.
سينعكس تضييق الهامش على إيران حتمًا في الساحة اللبنانية، لأن أي تفاهم أميركي ـ إيراني لن يكون بعيدًا من الملف اللبناني، على قاعدة الفصل التام، كمطلب، بل كشرط أميركي لفكّ الساحات. وذلك لأن مقاربة هذا الملف بالذات تأتي من باب الارتباط العضوي لحزب الله بإيران، ولا وجود لأي لبنان، مهما كان شكله، مع استمرار حزب الله.
لكن يبقى أن لبنان باقٍ، في هذه المرحلة، في قلب المعادلة الدولية، وذلك بسبب إشكالية ملف اليونيفيل. فمطالبة الدولة اللبنانية بتمديد المهمة لمدة ستة أشهر قد لا تصل إلى أي نتيجة، مع العلم أن الدول طالبت أيضًا بالعمل على البحث عن صيغة دولية منعًا لأي فراغ أمني. إلا أن على الحكومة اللبنانية الإدراك أن هذه المسألة باتت مرتبطة بمدى قدرتها على فرض قراراتها السياسية على مؤسسات الدولة التنفيذية.
وتأكيد الرئيس اللبناني أن أي تسوية على حساب لبنان لن تمر، يبقى شيكًا بلا رصيد، لا يستطيع أحد صرفه إلا بحالة واحدة فقط لا غير. وهذه الحالة وحدها هي التي سترفع رصيد لبنان حتى القمة، وهي عودة الدولة إلى الدولة، واتخاذها القرار المناسب لبقائها في دائرة الاهتمام السياسي الإقليمي والدولي، وعدم إطلاق رصاصة الانتحار الرحيم على كينونتها في قلب الشرق الأوسط القادم.
وكلما تأخرت الدولة اللبنانية عن الدخول في هذا الهامش الأخير، ضاق الخناق عليها أكثر فأكثر، ولن تستطيع تحمّل تبعات عدم الانتقال من البحث في مبدأ حصرية السلاح إلى حتمية تحديد مهلته الزمنية. فهذه المسألة وحدها باتت الضمانة للدولة في استعادة كامل قرارها السيادي. وهذه الضمانة بالذات هي التي ستمنع استمرار الجنوب ساحة لحرب ثالثة قد تكون قاضية وليست عابرة.
أمام هذا الواقع، ستطرح إشكالية جديدة تبدأ بالسؤال: ماذا بعد العودة من نيويورك؟ وذلك لأن المفاوضات التي ستعود وتنطلق، ولو بوتيرة قد تكون مختلفة، لن تكون مسارًا لانتهاء الحرب، بل ستصبح مسارًا لإعادة تعريف دور لبنان الجديد، ووظيفة الدولة ومؤسساتها التي بات صيتها أكثر من ذائع وشائع. دولة لا تملك السلاح المقرِّر، ولا قرار الحرب والسلم، ولا قدرة حماية حدودها، لا بالسلاح ولا بالسلام ولا بالحياد، هذه الدولة بالذات سيُعاد طرح جدوى بقائها.
صحيح أن بقاء الدول رهن بقدرتها على إدارة شؤونها وعدم تأثيرها السلبي في محيطها. لكن ذلك أيضًا مرتبط بمدى إرادة أبنائها جميعهم، وعلى تنوّعهم، في بقاء هذه الدولة. وهنا قلب الإشكالية اللبنانية التي نجحت منظمة حزب الله في زرعها في نفوس بعض الذين شكّلت منهم دروعًا بشرية لمشروعها الإيديولوجي. هؤلاء بالتحديد هم بحاجة إلى مصارحة وطنية. وهؤلاء، بأعمالهم وموبقاتهم بحق اللبنانيين، قد أطلقوا بأيديهم العارية رصاصة الموت الرحيم عليها، عملًا بولائهم لمشروعهم وليس لوطنهم.
وعلى هؤلاء بالتحديد أن يفهموا ألّا شعبًا في التاريخ استطاع أن يعيش في حالة حرب سرمدية لا تنتهي. فالنصر يكون دائمًا لمن يعرف كيف يبني سلامًا يؤمّن له الاستمرار على الاستقرار. وتجارب التاريخ علّمتنا أن الخسارة الكبرى تكون دومًا لمن يسعى إلى الاستقرار على الاستمرار في حالة من الدمار، ستؤدي حتمًا إلى انقراضه.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير