بين اختبار القوة الميدانيّة والقوة الديبلوماسيّة

بينما الدّولة تقف عاجزة تترقّب الحسم الانتخابي في إسرائيل. فعلى ما يبدو أنّ حراك نتانياهو سيكون في هذا الاتّجاه. وحتّى لو ربح خصمه السياسي فالمشروع مستمرّ ولن يسقط. على الدّولة اللبنانيّة ألّا تسقط بين اختبار القوّتين : الميدان والديبلوماسيّة...

خاص بوابة بيروت

التصعيد سيّد الموقف في الجنوب والتركيز على المنصوري حيث أعلنت إسرائيل أنها أنهت عملية واسعة فيها قالت خلالها إنها دمّرت أكثر من 600 موقع ومنشأة لحزب الله، بينها ثمانية أنفاق، إضافة إلى منصات إطلاق صواريخ، وانتقلت بعدها إلى سجد والعين على جبل الرّيحان وقضاء جزّين.

هذه التطوّرات الميدانيّة جعلت من الانسحاب الاسرائيلي أكثر صعوبة، والموقف المفاوضاتي الاسرائيلي أكثر قوّة. ولكنّ الحديث المطّرد بحسب بعض المعلومات الديبلوماسيّة الواردة من واشنطن أنّ الجولة التفاوضيّة المقبلة ستكون إلى ما بعد الانتهاء من العمليّتين الانتخاباتيّتين: في 27 أكتوبر في إسرائيل، وفي 3 نوفمبر في أميركا.

في الأثناء التقى الرئيس سلام بكلّ من روبيو وبيسنت بحضور وزير الخارجية يوسف رجّي والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوّض. وأهميّة هذا اللقاء تكمن في كونه يحمل التّحذير الأخير ما قبل الطوفان. ويدرك الرئيس سلام أنّ مطالبته بالالتزام بتنفيذ اتّفاق الاطار والضغط الأميركي على إسرائيل للانسحاب، فضلًا عن المطالبة بالدّعم الأميركي لعدم ترك فراغًا أمنيًّا في الجنوب بعد انتهاء مهام اليونيفيل، كلّها مطالب ستبقى معلّقة حتّى تثبت الدّولة اللبنانيّة قدرتها. وهذه المسألة لا زالت حتّى الساعة محالة. ما يعني أيضًا أن الدولة ستضطر إلى تحمل مسؤولية أمنية أكبر في بيئة لم تُحسم فيها بعد مسألة السلاح. وهذا ما سيشكّل عامل فشل إضافي بسبب عدم قرار الحكومة في مواجهة السلاح غير الشرعي بقوّة الشرعيّة.

فممّا رشح من مصادر إعلاميّة عن اللقاء أنّ روبيو لم يقدّم لسلام الإجابة الواضحة التي كان يترقّبها من حيث الضّغط على إسرائيل للالتزام بالاتّفاق الاطار. ولعلّ مردّ ذلك إلى فقدان الثقة الأميركيّة بقدرة الحكومة اللبنانيّة على الالتزام بتعهّداتها. فممّا يبدو أنّ واشنطن لم تعد متحمّسة بتحويل موقفها السياسي إلى آليّة تنفيذيّة تلزم من خلالها إسرائيل على وقف ضرباتها والانسحاب والالتزام بالاتّفاق الإطار.

فالإشكاليّة الكبرى تبقى في ربط الاتّفاق الاطاري الانسحاب الاسرائيلي بمسار نزع السلاح وهذا ما يشكّل استحالة لأنّ المنظّمة ليست طرفًا في الترتيبات السياسيّة للاتّفاق، بينما الحكومة عاجزة.

هذه التطوّرات كلّها تشير إلى التقدّم ميدانيًّا من قبل إسرائيل أكثر معتمدة طريقة القضم في هذه المرحلة، وهي الأقلّ كلفة عليها. وعندما تحتاج إلى تحقيق نصر نوعيّ ما فهي تملك بنكًا من الأهداف يخوّلها تحقيق ذلك، وتظهيره إعلاميًّا، واستثماره انتخابيًّا. وهذا ما يؤكّد أنّ الأولويّة الإسرائيليّة في هذه المرحلة ليس للتفاوض. لكن الإشكاليّة التي تطرح وسط ذلك: هل تعرف الدّولة اللبنانيّة ما هي أولويّتها؟ المؤسف حتّى الساعة أنّ الإجابة سلبيّة. وكأنّ اللعب في الفراغ هو سيّد الموقفين الميداني والديبلوماسي.

مع العلم أنّ رئيس أكبر تكتّل نيابي، أي رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع، أعطى العهد بشخص فخامة الرّئيس ودولة الرئيس جرعة دعم من خلال ردّه على أمين عام المنظّمة حيث رفض اتّهام قاسم للرئيس عون بمخالفة الدّستور والطائف. وأكّد جعجع في موقفه الدّاعم للدولة أنّها وجدها الجهة المكلّفة الدّفاع عن شعبها. كما اعتبر جعجع في معرض ردّه أنّ مَن يساعد المشروع الإسرائيلي هو الوجود المسلّح للمنظّمة، هذا الوجود الذي لم يردع الاسرائيلي. لا بل هو الذي استجلبه إلى الأراضي اللبنانيّة.

فكلام جعجع يدفع بالعهد برمّته لأن تصبح الدولة طرفًا فاعلًا، لا مجرد وسيط بين إسرائيل وحزب الله. وهنا قوّة موقف رئيس حزب القوّات اللبنانيّة السياسي. يبقى أنّ استثماره مطلوب من الحكومة بذاتها عبر الانتقال إلى ترجمة نواياها السياسيّة بأفعال تنفيذيّة. لأنّه كما تشير المعطيات كلّها أنّ الفرصة الأخيرة قد سقطت. وكلام جعجع هو بمثابة ناقوس الخطر. فإن لم تتلقّف الدّولة هذا المسار بيديها فستصبح حتمًا في مكان مختلف لن يتوقّعه أحد.

إسرائيل تضغط بالنّار، وتحقّق نجاحات في اختبارات القوّة كلّ يوم أكثر من الذي يسبقه بهدف توسيع هامشها المني اكثر لتعقّد المشهد الميداني أكثر. وأميركا تمنح الفرصة الأخيرة للدولة اللبنانيّة لتعيد هندسة صياغة الانسحاب والنّزع بالتوازي قبل إطلاق اليد لإسقاطها. فيما منظّمة حزب الله لا زالت تبحث عن شرعيّة فقدتها. بينما الدّولة تقف عاجزة تترقّب الحسم الانتخابي في إسرائيل. فعلى ما يبدو أنّ حراك نتانياهو سيكون في هذا الاتّجاه. وحتّى لو ربح خصمه السياسي فالمشروع مستمرّ ولن يسقط. على الدّولة اللبنانيّة ألّا تسقط بين اختبار القوّتين: الميدان والديبلوماسيّة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك