هل كان حسن نصرالله موهوماً أم كاذباً؟
إذا كان يصدق فعلاً أن قوة حزب الله العسكرية قادرة على ردع إسرائيل ومنعها من الوصول إلى قيادته وقواعده، فنحن أمام قراءة استراتيجية أخطأت في تقدير قوة الخصم وقدرته الاستخباراتية والعسكرية...
خاص بوابة بيروت
هذا ليس سؤالاً عن الرجل بعد موته. إنه سؤال عن الرجل الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود يبني خطاباً سياسياً وعسكرياً على فكرة واحدة، المقاومة تملك القدرة على ردع إسرائيل، وحماية لبنان، وفرض معادلات جديدة في المنطقة. لذلك، بعد كل ما حدث، يصبح من حق اللبناني أن يسأل، هل كان حسن نصرالله يصدق فعلاً ما كان يقوله؟ أم كان يعرف أن الواقع مختلف، لكنه اختار أن يقول لجمهوره ما يريدون سماعه؟
الفرق بين الاحتمالين كبير.
فإذا كان يصدق فعلاً أن قوة حزب الله العسكرية قادرة على ردع إسرائيل ومنعها من الوصول إلى قيادته وقواعده، فنحن أمام قراءة استراتيجية أخطأت في تقدير قوة الخصم وقدرته الاستخباراتية والعسكرية.
أما إذا كان يعرف أن ميزان القوى أكثر تعقيداً بكثير، وأن إسرائيل تمتلك قدرة استخباراتية وعسكرية تستطيع الوصول إلى قيادة الحزب وضرب بنيته العسكرية، لكنه استمر في تقديم صورة مختلفة، فالمسألة تصبح أكثر خطورة.
في الحالتين، اللبناني هو الذي دفع الثمن. لسنوات، سمع اللبنانيون عن المعادلات و الردع و القدرات التي لم تستخدم بعد.
وسمعوا أن إسرائيل تعرف جيداً ماذا ينتظرها إذا قررت الدخول في حرب شاملة.
بل إن نصرالله نفسه قال في آب 2024، بعد المواجهة الكبيرة مع إسرائيل، إن الوقت سيكشف ما إذا كان الردع قد استُعيد.
وفي حزيران من العام نفسه، قال إن الحزب يمتلك بنك أهداف واسعاً، وإنه يستطيع الوصول إلى مختلف أنحاء إسرائيل، محذراً من أن أي حرب شاملة ستكون واسعة جداً.
كان الكلام قوياً. وكانت الصورة التي تصل إلى جمهور الحزب واضحة. لدينا القوة. لدينا السلاح. لدينا الردع. ولدينا القدرة على منع إسرائيل من فرض إرادتها. لكن السياسة لا تُقاس بقوة الخطاب، السياسة تُقاس بالنتائج. وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
ماذا حصل عندما قررت إسرائيل رفع مستوى المواجهة؟
في أيلول 2024، انفجرت أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصر حزب الله، ثم بدأت سلسلة من الضربات التي استهدفت قيادات وبنية الحزب العسكرية، وصولاً إلى اغتيال حسن نصرالله نفسه في الضاحية الجنوبية لبيروت.
رويترز، في تحقيق موسع نشر بعد اغتياله، تحدث عن اختراق إسرائيلي عميق داخل حزب الله، وعن قدرة إسرائيل على تحديد موقع القيادة التي كان نصرالله مجتمعاً فيها، بعدما أمضى الرجل سنوات في العمل بسرية أمنية شديدة.
وهنا لا تعود القضية قضية انتصار أو هزيمة فقط. القضية تصبح أبعد من ذلك. ماذا كان يعرف نصرالله؟ وماذا كان يعتقد؟
وماذا كان يعرفه عن قدرات خصمه؟ وماذا كان يعرفه عن قدرة لبنان نفسه على تحمّل حرب جديدة؟
هذه الأسئلة أهم من كل الشعارات. لأن القائد الذي يملك قوة عسكرية يستطيع أن يخوض حرباً.
لكن القائد الذي يملك مسؤولية وطنية يجب أن يسأل أيضاً، ماذا سيحدث للبلد إذا أخطأتُ في حساباتي؟
وهذه ربما كانت أكبر مشكلة في تجربة حزب الله. أن قرار الحرب لم يكن مجرد قرار عسكري. كان قراراً يطال لبنان كله.
اقتصاده. مدنه. جنوبه. بنيته التحتية. أهله. ومستقبله. والأخطر أن لبنان لم يكن دائماً يملك القدرة على أن يقول نعم أو لا.
كان القرار يُتخذ، ثم يدفع اللبنانيون الثمن.
أنا لا أريد أن أكتب اليوم عن حسن نصرالله كـ كاذب أو صادق. هذه أوصاف سهلة. وأنا أعتقد أن السؤال الأصعب والأكثر عدلاً هو : هل كانت رؤيته للمنطقة ولإسرائيل ولحدود القوة صحيحة؟ إذا كانت صحيحة، فلماذا وصل حزب الله إلى ما وصل إليه في أيلول 2024؟ وإذا كان الردع موجوداً فعلاً كما قيل للبنانيين، فكيف استطاعت إسرائيل أن تصل إلى رأس الهرم؟
وإذا كان حزب الله الذي يسمي نفسه مقاومة قد بنى كل هذه القوة بهدف حماية لبنان، فهل كانت النتيجة النهائية حماية لبنان، أم إدخاله مرة جديدة في حرب دفع ثمنها من لا يملك قرارها؟
هذه ليست أسئلة كراهية، وليست انتقاماً من رجل مات.
إنها أسئلة التاريخ. والتاريخ لا يحاكم القادة على جمال خطاباتهم، بل على الفارق بين ما وعدوا به وما حدث فعلاً.
حسن نصرالله بحسب جمهوره ومحبيه كان خطيباً استثنائياً، وقائداً ترك أثراً عميقاً في لبنان والمنطقة، وهذا أمر لا يمكن تجاهله.
لكن قوة الخطاب لا تعني بالضرورة صحة التقدير. والقدرة على إقناع الجمهور لا تعني بالضرورة القدرة على حماية الوطن.
وربما هذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن يتعلمه لبنان اليوم، لا يمكن أن تكون قوة لبنان في أن يملك طرف واحد قرار الحرب والسلم، ثم يُطلب من الدولة والمجتمع أن يتحملا النتائج.
لبنان يحتاج إلى دولة تعرف أين تذهب وإلى قرار وطني واضح وإلى جيش ومؤسسات وإلى اقتصاد وإلى علاقات طبيعية مع العالم.
وإلى سلام يستطيع أن يحمي حياة اللبنانيين ومستقبلهم.
أما زمن الخطابات التي تعد اللبنانيين بالنصر بينما يعيشون الخوف والهجرة والانهيار، فيجب أن يخضع على الأقل لسؤال واحد. هل كنا نعيش حقيقةً معادلة ردع أم كنا نعيش داخل رواية أقنعتنا بها الخطابات المتكررة؟
وهذا السؤال، بعد كل ما حدث، لم يعد سؤالاً سياسياً فقط. إنه سؤال عن لبنان نفسه.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير