إيران… لماذا يحتاج النظام إلى شرطة أقوى؟
الرسالة تتجاوز الدور التقليدي للشرطة في حفظ النظام العام. فالحديث عن تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والمراقبة يشير إلى دور أوسع يتعلق بالاستباق الأمني ورصد التحولات الاجتماعية والسياسية.
خاص بوابة بيروت
حين يصف مجتبى خامنئي قوات الأمن بأنها “إحدى الركائز القوية لأمن البلاد”، ويدعو إلى تعزيزها بشريًا وتقنيًا وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في عملها، تبدو الرسالة في ظاهرها إشادة بمؤسسة أمنية.
لكن توقيتها يمنحها معنى أوسع.
فهي تأتي في لحظة تتزامن فيها الضغوط الأمنية في سيستان وبلوشستان مع انكماش اقتصادي حاد، وتراجع الثقة بالعملة، واتساع الحاجة إلى الدعم المعيشي، واستمرار الإجراءات التأديبية بحق الطلاب الذين شاركوا في احتجاجات يناير.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التركيز على الشرطة لا بوصفه استعراضًا للقوة فقط، بل أيضًا تعبيرًا عن اتساع المهام التي بات النظام يعتمد عليها في إدارتها.
الشرطة كـ”ركيزة” للنظام
في رسالته بمناسبة أسبوع الشرطة، وصف مجتبى خامنئي قوات الأمن بأنها إحدى الركائز الأساسية للأمن، وطالب بتعزيز قدراتها البشرية والتنظيمية والتكنولوجية.
كما خص قائدها أحمد رضا رادان بإشادة مباشرة، ووصفه بالشجاعة والنشاط والذكاء.
الرسالة تتجاوز الدور التقليدي للشرطة في حفظ النظام العام. فالحديث عن تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والمراقبة يشير إلى دور أوسع يتعلق بالاستباق الأمني ورصد التحولات الاجتماعية والسياسية.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية: لماذا تحتاج السلطة إلى تعزيز هذه المؤسسة الآن تحديدًا؟
سيستان وبلوشستان تكشف حدود السيطرة
في 9 أكتوبر، قُتل نصرت افتخاري، نائب الشؤون الثقافية والاجتماعية في قيادة شرطة سيستان وبلوشستان، إثر انفجار استهدف مركبة أمنية قرب زاهدان.
وفي اليوم التالي، أرسل وزير الداخلية إسكندر مؤمني وفدًا خاصًا إلى المحافظة للتحقيق في الهجمات الأخيرة، فيما توعد رادان بملاحقة المسؤولين عنها.
الحادث لا يمثل مجرد خسارة أمنية منفردة. فسيستان وبلوشستان أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى السلطة، حيث تتقاطع الاحتجاجات السياسية والتوترات القومية والمذهبية مع نشاط جماعات مسلحة.
ومقتل مسؤول كان يعمل أيضًا في المجال الاجتماعي يكشف أن التحدي لا يقتصر على حماية المراكز الأمنية، بل يمتد إلى قدرة النظام على الحفاظ على نفوذه داخل المجتمع المحلي.
اقتصاد يزيد العبء على الأمن
الضغط الأمني يتزامن مع مؤشرات اقتصادية صعبة.
فالتقديرات الأخيرة تشير إلى انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 12.1 في المئة خلال ربيع 2026، فيما بقي النمو سلبيًا في يوليو عند ناقص 5.6 في المئة.
كما سجل قطاعا الصناعة والنفط تراجعًا ملحوظًا، في وقت يواصل التضخم وتراجع قيمة الريال الضغط على دخول الأسر.
المشكلة هنا لا تتعلق بالاقتصاد وحده.
فكلما تراجعت فرص العمل والدخل، وارتفعت الأسعار، واتسعت الفجوة بين الدخول وتكاليف الحياة، ازدادت احتمالات انتقال الضائقة المعيشية إلى احتجاج اجتماعي.
وهذا هو المكان الذي يلتقي فيه الاقتصاد بالأمن.
أزمة العملة هي أيضًا أزمة ثقة
وسائل إعلام رسمية داخل إيران بدأت بدورها تعترف بأن أزمة الريال لا يمكن تفسيرها بالعقوبات أو الحرب فقط.
فالعوامل الداخلية، من نمو السيولة وعجز الموازنة إلى ضعف الإنتاج واختلالات النظام المصرفي وعدم عودة جزء من عائدات الصادرات، باتت تُذكر بصورة صريحة.
والأكثر دلالة هو الاعتراف بأن ضخ الدولار في السوق قد يهدئ التقلبات مؤقتًا، لكنه لا يعالج فقدان الثقة بالعملة.
حين يتوقع المواطنون مزيدًا من التضخم والانخفاض في قيمة الريال، يتحولون إلى الدولار والذهب والعقار لحماية مدخراتهم.
وهنا تصبح المشكلة سياسية بقدر ما هي نقدية، لأن أزمة الثقة بالعملة تعكس في جانب منها أزمة ثقة بقدرة الإدارة الاقتصادية نفسها.
11 مليون شخص يحتاجون إلى دعم إضافي
في السياق ذاته، أعلنت وزارة العمل زيادة الرصيد الغذائي لنحو 11 مليون شخص من الفئات المشمولة بالمساعدات الاجتماعية.
الهدف الرسمي هو دعم القوة الشرائية للأسر ذات الدخل المنخفض.
ولا يشكل هذا الإجراء في حد ذاته مؤشرًا سياسيًا، لكنه يكشف حجم الضغط المعيشي الذي يدفع الحكومة إلى توسيع الدعم المباشر في وقت ينكمش فيه الاقتصاد وتتراجع قيمة العملة.
وحين تحتاج هذه الأعداد إلى مساعدات غذائية إضافية، يصبح الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي جزءًا أساسيًا من إدارة الأزمة.
الجامعات تحت المراقبة
الجامعات بدورها ما زالت تعيش آثار احتجاجات يناير.
ففي جامعة أصفهان الصناعية، تحدث المسؤولون عن عشرات الملفات التأديبية بحق الطلاب، وصدرت في بعض الحالات أحكام بالحرمان المؤقت من الدراسة.
واللافت أن تخفيف العقوبات ارتبط، وفق تصريحات إدارة الجامعة، بقبول الطلاب بمتابعة مطالبهم من خلال القنوات التي تحددها السلطات.
وهذا يكشف أن القضية لا تتعلق بالسلوك الجامعي فقط، بل أيضًا برسم حدود لما تعتبره السلطة احتجاجًا مقبولًا.
لماذا تحتاج السلطة إلى شرطة أقوى؟
عند وضع هذه الملفات إلى جانب بعضها، تصبح رسالة خامنئي أكثر وضوحًا.
هناك توتر أمني في سيستان وبلوشستان، واقتصاد منكمش، وعملة تعاني أزمة ثقة، وملايين المواطنين يحتاجون إلى دعم مباشر، وجامعات ما زالت تخضع لمنطق التأديب والرقابة.
في مثل هذا السياق، يبدو تعزيز الشرطة جزءًا من استراتيجية أوسع لإدارة الضغوط الداخلية، لا مجرد عملية تحديث أمني.
فالشرطة يُطلب منها اليوم أن تتعامل في آن واحد مع التوترات المحلية، والاحتجاجات، والمراقبة، والاضطرابات الاجتماعية المحتملة، والآثار السياسية للأزمة الاقتصادية.
ولهذا يحمل وصفها بأنها “ركيزة” دلالة مزدوجة.
هو إعلان ثقة بها، لكنه يكشف في الوقت نفسه مقدار اعتماد النظام عليها.
فالسلطة لا تعزز أدوات السيطرة فقط عندما تشعر بالقوة؛ بل تفعل ذلك أيضًا عندما تتزايد المشكلات التي تخشى أن تخرج عن نطاق السيطرة.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير