حين يصبح الاعتياد على المأساة خطراً على إنسانيتنا

من وجع اللبنانيين واللبنانيات اليومي إلى مسؤولية التمسك بالحياة...

خاص بوابة بيروت

لم تعد المأساة خبراً بعيداً يصلنا من نشرات الأخبار، ثم ينتهي بانتهاء النشرة. في لبنان، كما في المنطقة، صارت المآسي تتسلل إلى تفاصيل يومنا: إلى قلق الأهل على أبنائهم، وإلى طوابير الانتظار، وإلى فاتورة الاستشفاء، وإلى الخوف من الغد، وإلى سؤال بسيط بات ثقيلاً: كيف سنكمل؟

نستيقظ على أخبار التوتر والاعتداءات والضحايا، وننام على هموم الكهرباء والدواء والغلاء والبطالة والهجرة. وبين هذا وذاك، يحاول اللبناني أن يحافظ على بيته، وعمله، وصحة عائلته، وما تبقى من قدرته على الفرح. يضحك أحياناً، ثم يشعر بالذنب لأنه ضحك. يحتفل بمناسبة عائلية، ثم يتذكر من لا يملكون ثمن الخبز أو العلاج أو الأمان.

لكن هل أصبح الفرح خيانة؟ وهل باتت الحياة نفسها تهمة نحتاج إلى الاعتذار عنها؟

المخيف ليس فقط حجم المآسي التي تحيط بنا، بل أن نعتاد عليها. أن يصبح موت الإنسان رقماً، وأن تتحول صورة طفل خائف إلى خبر عابر، وأن نمرّ على وجع الناس كما نمرّ على إعلان سريع في شاشة الهاتف. الأخطر أن نفقد تدريجياً قدرتنا على الدهشة والغضب والتعاطف، وأن يصبح الألم جزءاً عادياً من المشهد.

في لبنان، لا يحتاج الإنسان إلى حرب مفتوحة كي يشعر بأنه مهدد. يكفي أن يمرض أحد أفراد عائلته، أو أن يفقد عمله، أو أن يعجز عن دفع قسط مدرسي، أو أن ينتظر ساعات طويلة أمام مؤسسة عامة، حتى يكتشف كم أصبح الأمان هشاً. هناك عائلات تعيش على حافة الانهيار، وأمهات يخفين خوفهن عن أطفالهن، وشباب يخططون للهجرة لا لأنهم لا يحبون وطنهم، بل لأنهم لم يعودوا يرون فيه فرصة لحياة كريمة.

ومع ذلك، يواصل اللبنانيون واللبنانيات حياتهم. يفتحون متاجرهم، يذهبون إلى أعمالهم، يرسلون أبناءهم إلى المدارس، يزورون مرضاهم، ويجتمعون حول مائدة متواضعة. قد يبدو هذا السلوك عادياً، لكنه في الحقيقة شكل من أشكال المقاومة. فأن تحافظ على بيتك وسط الفوضى، وأن تربي أبناءك وسط القلق، وأن ترفض أن يتحول الخوف إلى أسلوب حياة، هو فعل شجاعة لا يقل أهمية عن أي موقف علني.

غير أن الاستمرار لا يعني أن نغلق أعيننا. لا يجوز أن تتحول قدرتنا على التكيف إلى قبول بالظلم، ولا أن يصبح صبر الناس ذريعة لتركهم وحدهم في مواجهة الأزمات. الصبر فضيلة، لكنه لا يعفي المسؤولين من مسؤولياتهم، ولا يعفي المجتمع من التضامن، ولا يعفي كل واحد منا من السؤال: ماذا أستطيع أن أفعل؟

قد لا نملك القدرة على إيقاف حرب، أو إصلاح اقتصاد، أو تغيير قرار سياسي، لكننا نملك أفعالاً صغيرة قد تصنع فرقاً حقيقياً. أن نساعد عائلة محتاجة، أن نساند مريضاً، أن نفتح باب عمل أمام شاب، أن نرفض خطاب الكراهية، أن نتحقق من الأخبار قبل نشرها، أن نرفع صوتنا في وجه الفساد، وأن نحافظ على كرامة من اضطرته الظروف إلى طلب المساعدة.

الحزن وحده لا يكفي. الغضب وحده لا يكفي. حتى التعاطف، إذا بقي شعوراً عابراً، قد يتحول إلى راحة ضمير مؤقتة. المطلوب أن نترجم مشاعرنا إلى مسؤولية، وأن نحول الألم إلى وعي، والوعي إلى مبادرة، والمبادرة إلى تضامن مستمر.

ليس مطلوباً منا أن نحمل أحزان العالم كلها حتى ننكسر. وليس مطلوباً أن نعيش تعساء كي نثبت أننا نشعر بالآخرين. فالطفل الذي فقد أسرته لا يحتاج إلى أن نفقد نحن قدرتنا على الابتسام، بل يحتاج إلى من يحميه، ويؤمن له العلاج والتعليم والأمان. والعائلة التي أنهكها الفقر لا تستفيد من حزننا الصامت بقدر ما تستفيد من يد تمتد إليها باحترام، ومن نظام عادل يحفظ حقوقها.

الفرح ليس إنكاراً للواقع. قد يكون أحياناً إعلاناً بأن المأساة لم تنتصر بالكامل. حين يجتمع أفراد العائلة حول مائدة، أو ينجح طالب رغم الظروف، أو يجد مريض من يسانده، أو يقرر شاب البقاء والعمل من أجل مجتمعه، فإن هذه اللحظات لا تلغي الألم، لكنها تمنع الألم من ابتلاع كل شيء.

نحن بحاجة إلى أن نعلّم أبناءنا وبناتنا أن الأمل ليس سذاجة، وأن الرحمة ليست ضعفاً، وأن النجاح لا يكتمل إذا كان قائماً على تجاهل الآخرين. نحتاج إلى جيل يعرف حجم الأزمات، لكنه لا يسمح لها بأن تسرق منه المبادرة. جيل يرفض أن يكون متفرجاً على الانهيار، ويؤمن بأن التغيير يبدأ أحياناً من موقف صغير، أو كلمة مسؤولة، أو تضامن صادق.

في لبنان، لا تنقصنا القدرة على الصمود، لكننا نحتاج إلى أن ننتقل من الصمود الفردي إلى التضامن الجماعي. لا يكفي أن تنجو كل عائلة وحدها، فيما ينهار المجتمع من حولها. ولا يكفي أن نمد يد العون في لحظة طارئة، ثم ننسى الناس عندما تهدأ الأخبار. المطلوب بناء ثقافة تحمي الضعفاء، وتدعم المبادرات المحلية، وتعيد الاعتبار إلى العمل العام، وتضع الإنسان قبل الحسابات الضيقة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس أن نحزن، بل أن نفقد الإحساس بسبب كثرة الحزن. أن نرى الفقر فلا نتوقف، وأن نسمع عن ضحية فلا نسأل، وأن نعتبر انهيار المؤسسات قدراً لا يمكن تغييره. الاعتياد على المأساة ليس قوة، بل استسلام بطيء.

لذلك، علينا أن نحافظ على قدرتنا على التأثر، لكن من دون أن نسمح للحزن بشلّنا. أن نبكي حين يجب أن نبكي، ونغضب حين يجب أن نغضب، ثم نسأل بصدق: ما الخطوة التالية؟ كيف نخفف عن إنسان قريب؟ كيف نحمي طفلاً؟ كيف نساند مدرسة أو مستشفى أو جمعية تعمل في ظروف صعبة؟ كيف نرفض أن يصبح الفساد واللامبالاة جزءاً من طبيعتنا؟

لا أملك جواباً يزيل وجع اللبنانيين واللبنانيات، ولا حلاً سريعاً لأزمات تراكمت سنوات طويلة. لكنني أؤمن بأن اليأس ليس قدراً، وأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملكه من قوة، بل بما يفعله حين يشعر بالعجز.

سنواصل الحياة، لا لأننا نسينا من رحلوا أو تجاهلنا من يتألمون، بل لأن الحياة مسؤولية أيضاً. سنفرح من دون أن نغلق قلوبنا، ونحلم من دون أن ننكر الواقع، ونبني مستقبل أبنائنا من دون أن ننسى أبناء الذين حُرموا من أبسط حقوقهم.

الفرح ليس خيانة، ما دام لا يتحول إلى لامبالاة. والراحة ليست عيباً، ما دمنا لا نستخدمها ذريعة لعدم رؤية المتعبين. والأمل ليس وهماً، ما دام يدفعنا إلى العمل.

الخيانة الحقيقية ليست أن نعيش رغم المآسي، بل أن نعتاد عليها حتى لا تعود تعنينا. أما الوفاء الحقيقي للضحايا، فهو أن نحمي ذاكرتهم، ونرفض تكرار ما حدث، ونبقى قادرين على التعاطف والفعل.

رحم الله من رحلوا، وحمى من بقي، وأعان اللبنانيين واللبنانيات على تجاوز هذه الأيام الثقيلة. ولعل مسؤوليتنا جميعاً أن نثبت أن الإنسان يستطيع أن يواجه القسوة من دون أن يصبح قاسياً، وأن يحافظ على الأمل من دون أن يفقد وعيه، وأن يواصل الحياة من دون أن يفقد إنسانيته.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك