الصنوبر المثمر في لبنان واقعه، مشاكله ومستقبله

عرفت بعض السفوح الجبليّة اللبنانيّة، منذ أواسط القرن التاسع عشر، انتشارًا واسعًا لغابات الصنوبر المثمر "Pinus Pinea"، أضفت عليها رونقًا دائم الخضرة، وامتشاقًا نحو مساحات الضوء...

خاص بوابة بيروت

عرفت بعض السفوح الجبليّة اللبنانيّة، منذ أواسط القرن التاسع عشر، انتشارًا واسعًا لغابات الصنوبر المثمر (Pinus Pinea)، أضفت عليها رونقًا دائم الخضرة، وامتشاقًا نحو مساحات الضوء…

ماذا عن أهميّة قطاع الصنوبر، وانتشاره، وواقعه، والأخطار المحدِقة به؟

ما هي المعالجات المعتمَدة، والمبادرات الناجعة؟

وهل من خطط لدعم القطاع وتحسين فرص الاستثمار؟ أو للذهاب نحو استراتيجيّة جديدة؟

أهمية الصنوبر وأماكن انتشاره

يستخدم الصنوبر في الصناعات الغذائيّة، وانتاج الحطب، وصناعة القطران، وقد وفّرت زراعته إعالة حوالي 1.500 عائلة (بين مالكين وعاملين)، من أبناء الرّيف اللبناني. قد لا يشكّل الإنتاج المحلّي للصنوبر وزنًا راجحًا في ميزان التجارة العالميّة، إذ لم يتجاوز – في أيّ يوم من الأيّام – 0.24% من الإنتاج العالمي، كما لم تشكّل المساحة الصنوبريّة في لبنان أكثر من 1.4% من مساحة الغابات الصنوبريّة في الدول المتوسطية. إلّا أنّه ساهم بحصّة من الناتج العام، تدرّجت من 20 مليون دولار في 2005، الى 85 مليون دولار في 2013، وتراجعت بعد ذلك حتّى بلغت حدود 30% في السنوات الأخيرة.

تنتشر زراعة الصنوبر في أقضية جزّين، الشّوف، بعبدا، المتن وبشرّي وصولًا الى عكار ، معتمدة على عاملين أساسيّين، هما التربة الخفيفة كلسيّة كانت أو رمليّة، والمناخ المتوسطيّ المعتدل الى البارد قليلًا.

واقع الصنوبر ومشاكله

تلتقي الدراسات الحديثة حول واقع غابات الصنوبر في لبنان، الذي تراجع في السنوات الأخيرة بشكل واضح. وقد تظهّر ذلك من خلال مؤشّرات ثلاثة :

• ارتفاع متوسّط عمر الشجرة الى ما بين 70 و100 سنة، وهذا دليل على غياب أيّ استثمارات حديثة (غابة بكاسين بين 60 و 130 سنة).

• عجز الشجرة الظاهر من خلال ضعف الجذوع، وترهّل الأغصان، وارتفاع نسبة اليباس، وصغر حجم الأكواز، وقلّة الانتاجيّة.

• تدنّي الكثافة الى حدود 200 شجرة في الهكتار الواحد.

أمّا الأسباب فهي تتنوّع بين :

– الطبيعيّة، كمحدوديّة التنوّع البيولوجي، وعدم قدرة الصنوبر على التجدّد التلقائي، وتواتر الموجات الحارّة، أو الباردة، أو الرطبة…، وانتشار الأمراض والحشرات الفتّاكة (خنفساء قتح الصنوبـر، حشرة البقّ، الفطريّات، دودة الصندل، وأخيرًا الدودة الخيّاطة)،

– والبشريّة كضعف الاستثمارات، وقلّة خبرة العاملين في القطاف والتشحيل، ومعظمهم من غير اللبنانيّين، وسوء العناية بالشجرة، وافتعال الحرائق، والتوسّع العمراني، وانتشار المرامل، والمنافسة، وعوائق التصريف، والصيد الجائر، وغيرها.

كلّ هذه العوامل أدّت مجتمعةً الى تراجع المحاصيل بشكل دراماتيكي، حيث خسر قطاع الصنوبر 90% من إنتاجه في السنوات الأخيرة، وتراجع انتاج الأكواز بين العامين 2012 و2017 بنسبة 50 %، وارتفعت نسبة البذورة التالفة من 3% الى 60%، ويتبيّن ذلك من خلال عيّنتين موثوقتين في منطقة جزين، حيث يبدو واضحًا المنحى التنازلي لعائدات الانتاج في السنوات الأخيرة.

العيّنة الأولى : حرج قيتولي، تراجعت عائداته من 180.000 دولار سنة 2017، الى 3750$ سنة 2021. والعيّنة الثانية : حرج بكاسين من 330.000 دولار سنة 2013 الى مبلغ لا يكفي كلفة القطاف في 2025.

المبادرات والحلول

تتنوّع طرق المعالجة بين الرّش، والتفريد والتشحيل، والتفخيخ، وتحويل الغابات الصنوبريّة الى محميّات.

صورة رقم 6: بيت الصنوبر في ضهر الرملة – جزين، (كاميرا ج. الحاج)

محلّيًّا، لم تتردّد نقابة مزارعي الصنوبر في لبنان في طلب الدعم من وزارة الزراعة، إنْ من جهة تخفيف المنافسة عبر الاستيراد من بعض الدول، أو من جهة الاحتياجات الزراعيّة اللّازمة لمكافحة الحشرات والآفات، ولتأمين الأسمدة والأدوية بكلفة معقولة. وكانت الوعود دائمًا “بتوجيه الكادرات المختصّة في الوزارة بإعداد دراسات حول مشاكل القطاع ووضع الحلول بأسرع وقت ممكن”.

أمّا متوسطيًّا، فقد وضعت بعض الدول، البرامج العملانيّة لحماية وتطوير الغابات الصنوبريّة، وكانت فرنسا السبّاقة في هذا المجال، بحيث بادرت منذ الخمسينات، الى إجراء أبحاث على تكيّف مختلف الأصناف الصنوبريّة الموجودة في حوض المتوسط، ودراسة مدى نجاح زراعتها في أماكن جديدة، معظمها في وسط وشمال البلاد. وفي ما بعد، أطلقت بإشراف مركز “الأبحاث حول الغابات”، برنامجًا يتمحور حول التطوير الجيني للصنوبر من خلال أصناف مستوردة من عشر دول متوسطيّة، كان لبنان من بينها، وإدخالها في المشاريع الجديدة عبر التهجين والتطعيم.

كما طوّرت عدّة دول في حوض المتوسط – خصوصًا بعد خطة الإصلاح الزراعي التي وضعها الاتحاد الأوروبي في العام 1992 – زراعة الصنوبر، ووسّعت المساحات الزراعيّة، وعالجت كمًّا كبيرًا من المشاكل… من بين هذه الدول، إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، وحاليًّا اليونان وتركيا وتونس، ولو بنسب متفاوتة. تشمل برامج التطوير مراقبة النمو والإنتاج وسلامة الغابة كما تعمل على زيادة المساحات المزروعة. فالبرتغال مثلًا، استطاعت، من خلال استثمار 40 مليون يورو، أن تزيد مساحة الغابات الصنوبريّة من 80.000 هكتار في نهاية الثمانينات الى 175.000 في العام 2015. وبذلك حقّقت نموًّا بالانتاج من 1050 طن في العام 2000 الى 4.000 في العام 2010. كذلك فعلت تركيا بزيادة المساحات الصنوبريّة من 50.000 الى 195.000 هكتار.

علميًّا، أثبتت التجارب المخبريّة، التي انطلقت في العام 2000 وما زالت حتى تاريخه، أن زراعة الشتول الصنوبريّة هي أكثر ضمانة من البذور، ونسبة نجاحها أعلى بكثير، بالإضافة الى فعاليّة التطعيم للشتول الصغيرة (بعمر 2 الى 3 سنوات) من شجرة بالغة، لاختصار سنوات الانتظار، من خمس وعشرين سنة الى دون الخمس سنوات، وهذه التقنيّة عرفتها بعض البلدان العربيّة، كالمغرب والجزائر، واعتمدتها منذ ما يزيد عن العشر سنوات. ومن حسنات هذه التقنيّة، إمكانيّة زراعة 1000 شجرة بالهكتار، كما تسهل عمليّة الاعتناء بالشجرة من خلال الرّش والتشحيل والتسميد، كسائر الأشجار المثمرة (التّفاح مثلًا).

بالموازاة، ركّزت عدّة مراكز أبحاث زراعيّة في أوروبا وفي شمال أفريقيا على نوعيّة الأسمدة الأكثر فعّاليّة للصنوبر، فكانت النتيجة أن تتضاعف الانتاج ثلاث مرات.

خطة عمل لمستقبل أفضل

بعد هذا العرض، والمقارنة بين واقع الغابة الصنوبريّة في لبنان، وواقع الغابات المتوسطيّة، بات من الضروري وضع خريطة طريق ترسم مراحل العمل لاستنهاض القطاع، والحفاظ على الصنوبر في لبنان كمورد اقتصاديّ مهمّ، ومساحة بيئيّة منتظمة. ومن المقترحات التي من شأنها أن تؤسّس لمستقبل أفضل :

– ترميم المساحات المفقودة إثر الحرائق والقطع، واستصلاح مساحات جديدة لزراعة مكثّفة، واعتماد أصناف مقاوِمة للأمراض والحشرات، وإدخال سلالات محسّنة جينياً ومطعّمة تبدأ بالإثمار من السنة الخامسة.

– تنظيم التفريد والتشحيل، لأنّها العمليّة الضروريّة لإدخال أشعّة الشمس الى داخل الشجرة وحمايتها من العديد من الحشريّات والفطريّات.

– التغذية الدوريّة للتربة، باستعمال أسمدة كيماويّة وعضويّة تحسّن الانتاج والانتاجيّة.

– مكافحة الحرائق، وشقّ الطرقات في الغابات وتحضير الوسائل والآليّات للإطفاء.

دور الدولة في المعالجة

بالإفادة من تجارب الدول المتوسّطيّة، نأمل من الدولة اللبنانيّة أن تأخذ المبادرة وتضع برنامجًا متكاملًا، على غرار “الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي” في العام 1993، يعيد قطاع الصنوبر الى فعَاليّته في الدورة الاقتصاديّة. كما نأمل منها اتّخاذ إجراءات تحفيزيّة كتصفير الضرائب والرسوم التي تطال المستثمرين في الصنوبر، وتخفيف أعباء الطاقة والشحن والتصدير.

أمّا الخطوة الأهمّ فهي إدخال أصناف جديدة، تتمتّع بمواصفات مغرية لاعتمادها من قِبل المزارع اللبنانيّ، وإجراء التجارب الميدانيّة في أماكن محدودة، تشمل عدّة مواقع وارتفاعات، وأنواعًا مختلفة من التربة. بعدَها، يتمّ تقييم النتائج، من حيث قدرة هذه الأصناف على التكيّف، والنمو، ومقاومة الجفاف والآفات، وتوقيت بدء الإثمار، وكميّته، وجودة البذور والجدوى الاقتصاديّة.

لا ينبغي أن يُفهمَ هذا الاقتراح، وكأنّه بديل جاهز للصنوبر اللبناني، بل هو خيار قابل للبحث، وعلى ضوء النتائج، يتّخذ القرار المناسب.

من بين هذه الأصناف :

– الصنوبر الكوري(Pinus koraiensis) ، الذي يُلقّب بــ “أيقونة الإنتاج العالمي”، حيث ينتج أكوازًا ضخمة جدًّا (بين 10-15 سم)، يحتوي الواحد منها على 50 إلى 100 حبّة كبيرة الحجم وغنيّة بالبروتيين والزيوت. من الممكن أن يتلاءم هذا الصنف مع البيئات الجبليّة والباردة، ويمكن تجربة زراعته في جرود ومرتفعات لبنان العالية.

– صنوبر سيبيريا الأنيق : (Pinus sibirica)، الذي يتميّز بحبّات ذات غلاف أو قشرة صلبة هي الأرقّ عالميًّا، مما يسهّل عمليّة التقشير والتصنيع مقارنة بالصنوبر اللبناني ذي القشرة السميكة. من الطبيعي أن يتكيّف هذا الصنف مع المرتفعات الجبليّة اللبنانيّة والمصنّفة باردة، كأعالي الباروك وصنين والمكمل وغيرها.

– الصنوبر أحادي الورقة الأميركي : (Pinus monophylla / Pinyon)، الذي يصنَّف في أميركا بأنّه الأشدّ مقاومة للجفاف، كما يتكيّف مع التربة الصخريّة الكلسيّة الفقيرة. يعتبر هذا الصنف من أكثر البذور طلبًا في العالم كونها طريّة وسهلة الحفظ والتصنيع. من الممكن تجربة هذا الصنف في المناطق الجافّة وشبه الصحراويّة كالبقاع الشمالي.

الخلاصة

بين أهميّة الصنوبر الاقتصاديّة والبيئيّة، وواقعه الصعب، تبدو مساعي المعالجة أقلّ بكثير ممّا هو مطلوب. ففي حال أردنا المحافظة على هذا المورد، علينا أن نقتدي بالدول التي بادرت وخطّطت ونجحت، معتمدين على الإدارة الجيّدة والرساميل الطموحة، والتنسيق بين جميع الأطراف المعنيّة. في النهاية، إنْ لم تبادر الدولة اللبنانيّة الى اتّخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، فسوف تذهب الأمور من سيّئ لأسوأ، وتفقد جبالنا إحدى أجمل لوحاتها الطبيعيّة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك