
رئيس التحرير
#نعيم_قاسم وخطاب الوهم : #لبنان بين إستعادة الدولة وسقوط وهم #الميليشيا
لبنان بين استعادة الدولة وسقوط وهم الميليشيا
بقلم رئيس التحرير بلال مهدي
@BilalMahdiii
يقف لبنان اليوم على الحدّ الفاصل بين وطنٍ يُستعاد ودولةٍ تُولد من جديد، وبين أرضٍ تُستنزف كلما نطق أهل الميليشيا بلغة النار. سنوات طويلة سُرق فيها القرار الوطني، واختُطفت السيادة من مؤسساتها الشرعية، وحُوِّلت البلاد إلى ساحة مستباحة تُدار بأوامر الخارج وتُموَّل بفتات المشاريع الإقليمية. كلما ارتفعت أصوات العقل، علا فوقها صخب الشعارات، وكلما اقترب اللبنانيون من بناء دولتهم، أعادتهم خطابات الوهم إلى حافة الخراب. غير أنّ زمن الخداع يضيق، لأن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى من صادر وطنها، ولا تغفر لمن باع مستقبلها في أسواق النفوذ.
يكشف خطاب نعيم قاسم مرة جديدة حجم الفجوة بين الرواية التي تُباع للجمهور والواقع الذي يعيشه اللبنانيون يوميًا. فحين يتحدث عن “صمود أسطوري” و”انتصارات مفصلية” و”قوة لا تُهزم”، يكون اللبناني في المقابل واقفًا أمام منزله المهدّم، أو نازحًا من قريته، أو باحثًا عن أمان مفقود. هنا يسقط الادعاء أمام الحقيقة، لا يُقاس النصر بعدد الخطب، بل بما بقي من وطن، وما بقي من مؤسسات، وما بقي من حياة كريمة للناس.
يقدّم قاسم المقاومة وكأنها رد فعل بريء على العدوان، بينما يتجاهل أصل المأساة اللبنانية، خطف قرار الحرب والسلم من الدولة، وتحويل البلاد إلى ساحة مرتبطة بمصالح الخارج، وتحديدًا بالمشروع الإيراني. فمنذ عقود، لم يعد اللبنانيون يعرفون متى يدخلون حربًا، ولا متى يخرجون منها، لأن القرار لم يعد في القصر الجمهوري ولا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب، بل في غرف مغلقة تتبع محورًا إقليميًا يستخدم لبنان ورقة تفاوض لا وطنًا مستقلًا.
أخطر ما في هذا الخطاب أنه يقلب الوقائع. فالسلطة الشرعية المنتخبة تصبح في نظره “متنازلة”، بينما الجهة المسلحة الخارجة عن منطق الدولة تُقدَّم كحامية للسيادة. أي منطق هذا؟ السيادة لا تعني تعدد الجيوش، ولا تعني أن تحتفظ جماعة بسلاحها فوق القانون، ولا أن تجرّ شعبًا كاملًا إلى مواجهات مدمرة ثم تطلب منه التصفيق. السيادة تبدأ حين يكون السلاح بيد الجيش وحده، والقرار بيد المؤسسات وحدها، والحدود تحت سلطة الدولة وحدها.
يتحدث قاسم عن رفض التفاوض المباشر، لكنه لا يشرح للبنانيين ماذا جلبت عقود “الممانعة” سوى الدمار والعزلة والانهيار الاقتصادي. ما الذي ربحه لبنان من تحويله منصة صراع؟ هل استعاد ازدهاره؟ هل حُميت مدنه؟ هل عاد شبابه من الهجرة؟ هل نجا جنوبه من النار؟ الحقيقة القاسية أن اللبنانيين دفعوا أثمانًا باهظة، بينما استفاد المشغّل الإيراني من ورقة ضغط مجانية على طاولة الإقليم.
ثم يأتي الشكر العلني لإيران، وكأن لبنان بات ملحقًا رسميًا بمشروع خارجي. من يشكر دولة تموّل السلاح الموازي وتغذي الانقسام الداخلي، عليه أن يجيب أولًا، لماذا يُدفع اللبنانيون ثمن صراعات ليست صراعاتهم؟ ولماذا تُستخدم الطائفة الشيعية خزانًا بشريًا لمعارك الآخرين؟ ولماذا تُصرف حفنة من الدنانير لشراء الولاءات، فيما تُترك الناس في الفقر والخراب؟
الحديث عن “أكثر من نصف الشعب اللبناني” محاولة جديدة لاحتكار التمثيل ومصادرة التنوع. لا أحد يملك اللبنانيين، ولا أحد يتحدث باسمهم جميعًا. داخل كل طائفة، وخصوصًا داخل البيئة الشيعية، أصوات واسعة تريد الدولة لا الدويلة، الجيش لا الميليشيا، المدارس والمستشفيات لا الخنادق، المستقبل لا المقابر.
طريق الخلاص واضح، مهما حاول البعض تشويهه. يبدأ باستعادة الدولة من خاطفي القرار، وبتنفيذ الدستور كاملًا، وبتسليم السلاح غير الشرعي، وبدعم الجيش اللبناني ليكون القوة الوحيدة الحامية للحدود والشعب. يبدأ بقضاء مستقل، واقتصاد منتج، وعلاقات عربية ودولية متوازنة، لا تبعية لمحور ينهار.
لبنان لا يحتاج إلى خطب تعبئة جديدة، بل إلى نهاية زمن الوصاية المقنّعة. لا يحتاج إلى شعارات الشرف والعزة، بل إلى دولة تحفظ كرامة مواطنيها. ولا يحتاج إلى من يبيعه أوهام الانتصار، بل إلى من يعيد له وطنه المسروق. لأن الدولة وحدها طريقنا لاستعادة الوطن، ممن صادروا أمنه وسيادته وقراره خدمةً لمشغّل خارجي، مقابل حفنة من الدنانير.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير