“البيضة”… حين تتحول الخرسانة إلى ذاكرة مدينة

خاص بوابة بيروت

في قلب بيروت، وعلى مسافة خطوات من ساحة الشهداء، تقف كتلة خرسانية غامضة تشبه سفينة فضائية هبطت ذات يوم في وسط المدينة ثم قررت البقاء. يطلق عليها اللبنانيون اسم “البيضة”، لكنها في الحقيقة أكثر من مجرد مبنى مهجور أو بقايا مشروع لم يكتمل. إنها صفحة مفتوحة من تاريخ بيروت، وذاكرة صلبة تختصر قصة مدينة عاشت المجد والحرب والنهضة والانكسار.

عندما كانت بيروت تسبق زمنها

في ستينيات القرن الماضي، كانت بيروت تُعرف بأنها عاصمة الشرق الثقافية والاقتصادية، وواجهة الحداثة في المنطقة. وفي عام 1965، وُلد مشروع طموح حمل اسم “سيتي سنتر بيروت”، صممه المهندس المعماري اللبناني جوزف فيليب كرم ليكون أول مركز تسوق حديث من نوعه في الشرق الأوسط.

كان المشروع ثورة عمرانية حقيقية. خمس طبقات تحت الأرض، أبراج شاهقة مخطط لها، مكاتب ومحال تجارية ومرافق ترفيهية متطورة. يومها لم تكن بيروت تواكب العالم فحسب، بل كانت تسير أمامه بخطوات.

دخلت السلالم الكهربائية إلى لبنان عبر هذا المشروع، كما ظهرت للمرة الأولى الأبواب الأوتوماتيكية التي كانت تفتح وتغلق تلقائياً أمام الزوار، في مشهد بدا أقرب إلى الخيال بالنسبة لكثيرين في تلك الحقبة.

ولادة أيقونة معمارية

وسط هذا المجمع الضخم، ولدت “البيضة”.

لم تكن مجرد صالة سينما أو مسرح، بل تحفة هندسية فريدة صُممت بقشرة خرسانية بيضوية الشكل، جمعت بين الجرأة المعمارية والابتكار التقني. وكانت القاعة تتسع لنحو ألف متفرج، مجهزة بأحدث أنظمة الصوت والعرض المتاحة آنذاك.

شكّل المبنى رمزاً لعصر كانت فيه بيروت تؤمن بأن الثقافة والفن جزء من مشروعها الحضاري، وأن السينما والمسرح لا يقلان أهمية عن التجارة والاقتصاد.

حين انتصرت الحرب على الحلم

لكن الأحلام الكبيرة غالباً ما تكون أول ضحايا الحروب.

مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، تحوّل “سيتي سنتر” من مركز للحياة واللقاءات إلى نقطة تقع على خطوط التماس بين شطري العاصمة. توقفت العروض، أُقفلت المحال، وغادرت الحياة المكان تاركة خلفها الخراب والصمت.

سنوات طويلة من القصف والاقتتال كانت كافية لتدمير معظم المشروع، لكن “البيضة” بقيت واقفة، وكأنها ترفض السقوط رغم كل ما أصابها.

لماذا بقيت “البيضة”؟

بعد انتهاء الحرب وإطلاق مشاريع إعادة إعمار وسط بيروت، اختفت معظم آثار الدمار تحت الأبراج الحديثة والواجهات الزجاجية الجديدة. غير أن “البيضة” بقيت على حالها.

تعاقبت الدراسات والمشاريع والاقتراحات بين ترميمها أو هدمها أو تحويلها إلى مركز ثقافي، لكن شيئاً من ذلك لم يتحقق بشكل كامل.

وربما تكمن قيمة “البيضة” اليوم في بقائها كما هي. فهي ليست مجرد بناء مهمل، بل شاهد حي على مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان. إنها تذكير دائم بأن المدن لا تُقاس فقط بما تبنيه، بل أيضاً بما تتذكره.

ذاكرة لا تموت

تحولت “البيضة” خلال السنوات الأخيرة إلى مساحة فنية وثقافية بديلة. استضافت معارض فنية وعروضاً موسيقية وأفلاماً وثائقية وفعاليات شبابية، وكأنها تستعيد دورها الطبيعي كمكان يجمع الناس حول الثقافة والإبداع.

ورغم الثقوب التي حفرتها القذائف في جدرانها، لا تزال تحتفظ بشيء من روح بيروت القديمة؛ تلك المدينة التي كانت تؤمن بالانفتاح والفن والجمال.

أكثر من مبنى

قد يراها البعض مجرد كتلة خرسانية مهجورة، لكن بالنسبة لكثير من اللبنانيين هي أكثر من ذلك بكثير.

إنها شاهد على زمن كانت فيه بيروت حلماً عربياً كبيراً، وشاهد على حرب مزقت هذا الحلم، وشاهد أيضاً على قدرة المدينة الدائمة على النهوض من الركام.

ولهذا ربما ما زالت “البيضة” واقفة حتى اليوم. لا لأنها نجت من الحرب فقط، بل لأنها تحولت إلى رمز. رمز لذاكرة مدينة ترفض أن تُمحى، ولأحلام قد تتعثر لكنها لا تموت.

ففي قلب بيروت، ما زالت “البيضة” تنتظر يوماً جديداً… وربما حلماً جديداً أيضاً.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك