خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
حين يتحدث السياسي المخضرم حمد بن جاسم، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق، فإنه لا يتحدث بعاطفة اللحظة، بل بمنظار رجل خبر دهاليز السياسة الدولية، وعايش موازين القوى في المنطقة لعقود طويلة. لذلك فإن التحذير الذي أطلقه مؤخراً بشأن احتمال انزلاق دول الخليج إلى حرب مع إيران يستحق قراءة هادئة وعميقة.
الرجل لا يطلق موقفاً عابراً، بل يطرح رؤية استراتيجية لما قد يحدث إذا اندفعت المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة. فالتجربة السياسية الطويلة علمته أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تكون بين طرفين فقط، بل غالباً ما تتحول إلى ساحة صراع لقوى دولية تبحث عن النفوذ والمكاسب.
في تحليله، يلفت بن جاسم إلى احتمال أن تتحول الولايات المتحدة “في لحظة معينة” من طرف مباشر في أي صراع إلى لاعب من خلف الستار، وربما إلى تاجر سلاح يبيع للطرفين. وهو سيناريو شهدته المنطقة في أكثر من تجربة تاريخية، حيث تتحول الحروب إلى سوق ضخمة للسلاح، وإلى وسيلة لاستنزاف الموارد الاقتصادية والعسكرية للدول المتحاربة.
ومن منظور مسؤول خليجي مخضرم، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الحرب نفسها بقدر ما يكمن في حرب الاستنزاف الطويلة. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم بسرعة، بل تتحول إلى صراعات ممتدة تلتهم الاقتصاد، وتستنزف القدرات العسكرية، وتضعف الاستقرار الداخلي للدول.
وفي هذا السياق، يحذر بن جاسم من أن انشغال دول المنطقة بصراع دموي طويل قد يخلق فراغاً استراتيجياً تستفيد منه قوى أخرى في الإقليم، فتفرض واقعاً سياسياً جديداً بينما تكون الدول المنخرطة في الحرب غارقة في معارك الاستنزاف.
الرؤية التي يطرحها ليست دعوة للضعف أو الانكفاء، بل دعوة إلى الحكمة الاستراتيجية. فالدول التي تفكر بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة تدرك أن قوة السياسة أحياناً تكمن في تجنب الحروب غير المحسوبة، وفي إدارة التوازنات بدلاً من الانجراف نحو صراع شامل قد يدفع الجميع ثمنه.
ولهذا يخلص بن جاسم إلى فكرة أساسية مفادها أن المصلحة الخليجية اليوم قد تكون في عدم الانجرار إلى صراع مباشر، وترك أطراف النزاع يتحملون تبعاته، بدلاً من تحويل الخليج إلى ساحة حرب واستنزاف طويل.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول التي نجت من عواصف المنطقة ليست تلك التي خاضت كل الحروب، بل تلك التي عرفت جيداً متى تقاتل… ومتى تتجنب القتال.