التنفيذ أم التنفيس؟

محاور "حزب الله" الثلاثة

تجهد منظمة حزب الله على محاور ثلاثة: محور “الميدان”. ومحور العمل السياسي. ومحور تهديد الدّاخل.

وفي محاورها الثلاثة لا تألو أيّ جهد لكنّ نتائج الحصاد ليست على قدر الزّرع. في الميدان تتوالى الخسائر إن كان على أرض الجنوب وإن كان في الميادين الأخرى التي تتكثّف فيها عمليّات التصفيات الجسديّة والبنيويّة للمنظّمة بأسرها، من قرضها الحسن الذي يشكّل عماد بنيتها الاقتصاديّة، إلى سراديبها الأمنيّة، وليس انتهاء بأنفاقها المثخنة بالذخائر تحت المنازل الآمنة.

هذا بالطبع من دون الدّخول في تعداد مَن تعتبرهم شهداء أمّتها، والضحايا الأبرياء الذين يسقطون بلا ذنب، سوى أنّهم من هذه البيئة أو من جيرانها. ووسط ذلك كلّه هل يمكن إغفال الأزمة الإنسانيّة التي تسبّبت بها هذه المنظّمة لبيئتها نتيجة النّزوح القسري الذي عرّضتها له، حيث بحسابات بسيطة تمّ تفريغ 25 % تقريبًا من الجغرافية اللبنانيّة إمّا تدميرًا وإمّا تهجيرًا؟

هذه حالة الميدان التي لطالما كانوا يتغنّوا بها وينشدون لها الأهازيج والأناشيد. وهذه حالة انفصام في الواقع وانفصال عنه نجحت هذه المنظّمة بزجّ معظم المكوّن الشيعي في صلبها حتّى بات خارج الكيانيّة اللبنانيّة، هائمًا يبحث عمّا يشبه الوهم الإيديولوجي الذي رُمي في أتانينه فلا يجد ضالّته، وفاقدًا طريق الرّجوع إلى الجذور التي أنبتته في جبل عامل. وما بين الانفصام والانفصال والغرف في الوهم الإيديولوجي بات شعب بأكمله بلا سقف بيت يؤويه. فكيف يجد بعد اليوم وطنًا يفديه؟

أمّا في المحور السياسي فتجهد هذه المنظّمة اليوم عبر أقطابها وجهابذتها السياسيّين إلى تنفيذ انقلاب سياسيّ على القرارات الحكوميّة. وذلك بعدما نجحت بمعونة ” الأخ الأكبر” وسجّان المجلس الأمهر، بتفجير الوريد الأبهر في تمديد مسخ لسنتين تحت ذريعة ما اقترفته أيديهم في وحول الميدان. وهذا الانقلاب يكمن في إلغاء مفاعيل القرارات السياديّة التي بدأتها في جلستي الخامس والسابع من آب 2025 بحصر السلاح وكرّستها بحظر التنظيم بأكمله في جلسة الثاني من آذار 2026. وما بين الحصر والحظر بدأت مفاعيل التنفيس تتفوّق على التنفيذ.

وما كان ذلك ليحصل لولا بحث رأس السلطة الاجرائية، عنيت هنا فخامة رئيس الجمهوريّة بالتحديد، على الذهاب نحو حلول، والبحث عن رعاية مَن ليس الأمر له في المنطقة. والهدف في ذلك قد يكون لشراء الوقت تمهيدًا لتبدّل في موازين القوى في المنطقة جيوبوليتيكيًّا، مراهنًا على تغيير ما في الميدان. وإذا وضعنا احتمال البحث في المجهول بهدف الحدّ من مجهول معلوم وافدٍ من جنوبنا ممكن أن يتحوّل فخامته إلى رجل المرحلة وينجّي لبنان بأكمله من هذا الوابل الذي ينتظره… إذا ما تجرّأ حيث لا يجرؤ الآخرون. فهل يجرؤ لتعود الفخامة إلى الرئاسة بعدما غادرتها في 14 أيلول 1982؟

أمّا الحديث عن تنفيس مؤسّساتيّ بدلا من تنفيذٍ مؤسّساتيّ فهذا هو بيت القصيد. المؤسسات التنفيذيّة لا تعمل وفقًا للأجندات السياسيّة لبعض قادتها. لأنّها من المفترض أن تكون الأداة التنفيذيّة للسلطة السياسيّة لا أن تحوّل السلطة السياسيّة إلى بوّابة لعبورها هي بدورها إلى هذا المضمار. فما حدث بعد قرارات الحكومة أفقدها “المومنتوم” الذي لطالما انتظره أكثر من 75 % من الشعب اللبناني، وخلفه المجتمع الدّولي الذي فقد ثقته بأولياء الثقة المفترَضين. حريّ بهؤلاء جميعهم أن يتداعوا ويتباحثوا ويتفكّروا في سؤال واحد فقط: كيف نحظى بثقة مَن أفقدناهم الثقة بأيدينا؟

أمام الفشل الميداني، والسقوط السياسي، عادت المنظّمة إلى ميدانها الحقيقي ألا وهو التهديد الدّاخلي للبنانيّين. وهي التي تملك تاريخًا ذاخرًا في معاركها الدّاخليّة من إقليم التّفاح والضاحية الجنوبيّة، وليس انتهاء بانقلاب السابع من أيّار 2008، أو 14 تشرين الأوّل 2021 والغرق في أجواء قلعة الصمود، على مداخل عين الرّمانة، يوم اعتقدوا أنّ مقلع الرّجال الرّجال قد أصبح ضحلًا، وأنّ بإمكانهم العبور. فتمّ العبور عليهم ورحلوا وحرابهم منكسرة.

ترطيبًا لذاكرتهم التي جفّفتها الإيديولوجيا القاتلة، لا مكان للخوف في معاجننا لأنّ دقيقنا معجون بزنود أمّهات الشّهداء الأبطال، ومخبوز على نار شهادتهم التي لا تنطفئ. صحيح أنّ بعضهم يخافون لأنّهم افتُدوا بثلاثين من الحقارة. أمّا نحن فافتدينا بدماء الحمل. فلا مكان للخوف في قلوبنا.

لذلك كلّه، هذه المحاور الثلاثة ساقطة “أبريوريًّا” فابحثوا عن طريق للعودة إلى الوطن لأنّ بخور الرّجوع يغفر الخطايا. لكنّ المستكبرين لن يغفَر لهم. ولا طريق تحمل أقدام رجوعهم. فلبنان الغد آتٍ لا محالة. ولن يكون إلّا كما تطلّعت إليه عيون الذين رووا أرزه بدمائهم الزكيّة لا على قدر الذين أعطوهم الساعات وأخذوا منهم الزمن، ولا أولئك الذين ألبسوهم الأحذية وأخذوا من قراهم الطرقات، ولا الذين أغووهم بالعطر والخواتم وعقود المتعة وأخذوا منهم الحب.

أمّا الذين أعطوهم الأراجيح فسرقوا منهم الأعياد. والذين أعطوهم السماد الكيماوي والنيتراتي أخذوا من بساتينهم الربيع وأذبلوا ورودهم. والذين أدخلوهم البرلمانات أخذوا الحرية من ناسهم. وأولئك الذين بنوا لهم الجوامع والكنائس أخذوا منهم الإيمان يوم تباهوا بتوقيع تفاهمات الذلّ على مذابحها. هؤلاء الذين شكّلوا لهم حرّاسًا فأخذوا منهم الأمان. وأوهموهم بأنّهم ثوّار ليسرقوا منهم حلم ثورتهم الحمراء. عن أيّ وطن تبحثون وأنتم قتلتم الوطن بأيديكم؟

دعوا ما بقي لنا من وطن لنعيد لكم ولنا كلّ الوطن فننشد معًا كلّنا للوطن وإمّا دعونا ننشئ وننشد وطننا الذي لطالما انتظرناه وما أتى. ولكن … مهما تأخّر جايي.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com