بين ضجيج “البيانات” ورماد “البيوت”…

مكاشفة وجدانية للشريك في الوطن قبل فوات الأوان

خاص بوابة بيروت

لا تختلف بيانات ما يُسمى “الإعلام الحربي” الاصفر اليوم عن تلك السرديات النمطية التي سبقت الحروب التي استنزفت منطقتنا وحولتها إلى ركام؛ لغة حماسية مشحونة، صور للانفجارات، وأرقام تتحدث عن إصابات دقيقة وتدمير آليات.

لكن خلف هذا الضجيج التعبوي، تظل هناك حقيقة وجودية لا يمكن حجبها بغبار المعارك: إن عظمة الأوطان لا تُقاس ببيانات “الإنجاز العسكري”، بل بعدد البيوت التي ظلت سقفاً آمناً لأهلها، وبقدرة الإنسان على العيش بكرامة في أرضه.

إننا لا ننتقص من شجاعة مقاتل، ولا نستخف بتضحيات بيئة قدمت فلذات أكبادها، لكن الأمانة الوطنية تدفعنا لسؤال شجاع ومُرّ: إلى أين نمضي بلبنان؟ وكم من الأثمان الباهظة سيُسدّدها اللبنانيون من لحمهم الحي قبل أن يُسمح لهم باستعادة دولتهم الطبيعية؟

الواقع الميداني اليوم يتحدث بمرارة تفوق لغة البيانات، مئات آلاف المهجرين، قرى سُويت بالأرض، اقتصاد يلفظ أنفاسه، ودولة عاجزة تماماً. إنها حرب تُفرض نتائجها الكارثية على شعب يُطلب منه في كل مرة التضحية باسم “قضايا كبرى” ومحاور إقليمية لا تتقاسم معه مرارة النزوح أو وجع الفقد.

ومن هنا، أتوجه بحديث القلب والعقل إلى الشريك في الوطن، إلى اللبنانيين الشيعة تحديداً، أنتم اليوم، وأكثر من غيركم، تدفعون الضريبة الأغلى، فأرضكم وبيوتكم ومستقبل أبنائكم هي التي توضع في خط المواجهة الأول.

اسألوا أنفسكم بصدق، هل أعادت هذه الحروب بناء مدماك واحد في صرح الدولة أو الاستقرار؟ هل بات أولادكم أكثر أماناً، أم أصبحوا وقوداً لقرار يُتخذ في عواصم بعيدة لا تطالها قذيفة واحدة؟

ليس “خيانة” أن نقول إن لبنان لم يعد يحتمل عبء الحروب بالوكالة. وليس “عداءً” لأي طائفة أن نؤكد بأن ربط مصير وطننا بصراعات المحاور قد أحرق الجميع، وفي مقدمتهم البيئة الشيعية التي استُنزفت مقدراتها وأمنها.

انظروا حولكم بتمعن؛ هل العواصم التي تُصدر الأوامر مهدّمة؟ هل شعوب تلك الدول تعيش في مراكز النزوح؟ الدمار يقع هنا.. في الجنوب، والضاحية، والبقاع، وفي قلب كل بيت لبناني.

هذا ليس انتصاراً، بل هو استنزاف منهجي لوطن يحتضر.

يا أهلنا في الطائفة الشيعية الكريمة، أنتم جزء عضوي وأصيل من نسيج هذا الوطن، ولا قيامة للبنان من دونكم. لكن الحقيقة التاريخية تقول: حين يرتفع السلاح فوق الدولة، تسقط الدولة…

حين تسقط الدولة، يهوي الجميع في قاع الفوضى، مهما علا صوت بيانات “الانتصار”.

لقد آن الأوان لطرح السؤال الذي يخشاه الكثيرون: كم حرباً بعد؟ وكم جيلاً سنسلّم للخراب؟ لبنان يستحق أن يتنفس، واللبنانيون يستحقون ثقافة الحياة والبناء، لا قدريّة الموت والدمار.

لننهض بالعلم فوق الجهل، وبالدولة فوق الدويلة.. فلبنان لا يُبنى إلا بجناحيه، وبقرار وطني واحد لا يقبل القسمة على محاور الخارج.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com