تجيير “العمامة” لمشروع الدويلة : حين يتحوّل الالتباس السياسي إلى طعنةٍ في خاصرة السيادة

خاص بوابة بيروت

لم يكن مشهد ظهور “عمائم سنّية” في باحة السفارة الإيرانية، إلى جانب قيادات من “حزب الله”، تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا تعبيرًا بريئًا عن حرية الرأي، بل شكّل صدمةً سياسيةً ووطنيةً مكتملة الأركان.

هذا التموضع لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع، يُستخدم فيه الغطاء الديني لإضفاء شرعيةٍ مصطنعة على مشروع الدويلة، وتكريس منطق الميليشيا على حساب الدولة ومؤسساتها.

خطورة المشهد لا تكمن فقط في رمزيته، بل في توقيته ودلالاته، ولا سيّما مع مشاركة شخصيات من شمال لبنان، ما يضرب ما تبقّى من وضوحٍ في الخطاب السيادي، ويحوّل التناقض الجذري مع السلاح غير الشرعي إلى التباسٍ خطيرٍ يخدم أجنداتٍ عابرةً للحدود، ويُضعف الجبهة الداخلية المطالِبة بحصرية السلاح بيد الدولة.

أمام هذا الانزلاق، لا بدّ من التوقّف عند حقيقتين أساسيتين:

أولًا: سقوط قناع “الاختلاف السياسي”

لم يعد الأمر مجرّد تباينٍ في وجهات النظر، بل بات انخراطًا مباشرًا في تكريس واقعٍ يضع لبنان عمليًا خارج إطار الدستور والسيادة، ويُشرّع ازدواجية السلطة والسلاح.

ثانيًا: تفكيك وهم “التعددية”

تسويق هذا المشهد تحت عنوان “التنوع” هو تضليلٌ متعمّد، فالتعددية لا تعني تغطية مشروعٍ مسلّح خارج الدولة، ولا تبرير الارتهان لمحاور إقليمية على حساب المصلحة الوطنية.

الأخطر من ذلك، أنّ هذه “العمائم” التي حضرت لتمنح الغطاء السياسي والديني، غابت حيث يجب أن تكون. لم نرَها في معركة المطالبة بمحاكماتٍ عادلة للموقوفين اللبنانيين، وجلّهم من المسلمين، في سجون رومية.

لم نسمع صوتها دفاعًا عن العدالة، ولا اعتراضًا على الظلم، ولا مطالبةً بدولة قانون وتحقيق العدالة.

هنا تسقط كل الذرائع.

هذه ليست حالة “تنوّع”، بل نموذجٌ فاضحٌ لتجيير الدين في خدمة فصيلٍ خارج عن القانون، وبما يتعارض مع سياسة الدولة. ليست عمائم موقف، بل عمائم وظيفة.

عمائم تُستدعى حيث تقتضي الحاجة السياسية، وتغيب حيث تفرض المسؤولية الوطنية.

حماية الهوية الوطنية والسيادة اللبنانية تتطلّب وضوحًا كاملًا لا يحتمل الالتباس، ومواجهةً فكريةً وسياسيةً حاسمةً لكل محاولة استخدام الدين كجسرٍ لتمرير مشاريع الهيمنة، على حساب الدولة وقرارها الحر.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com