بين وقاحة “إسرائيل” وعجز الدولة اللبنانية : سؤال الاستحقاق المؤجّل

خاص بوابة بيروت

عند كل مرة يرتفع فيها الصوت اللبناني مطالبًا العالم بالضغط على “إسرائيل” لاحترام السيادة والقانون الدولي، يتبادر سؤال أكثر إلحاحًا وخطورة: عن أي دولة نتحدث أصلًا؟

ليست المشكلة في مشروعية المطالبة، بل في التناقض الصارخ بين خطاب موجّه إلى الخارج، وواقع منهار في الداخل. نطالب بالاحترام كدولة، فيما الدولة نفسها شبه غائبة عن أداء أبسط وظائفها. هنا تحديدًا، لا تعود الوقاحة حكرًا على سلوك العدو، بل تتجلى أيضًا في قدرتنا على خداع أنفسنا، وتجميل واقع لا يحتمل التجميل.

المعضلة ليست جديدة، لكنها بلغت مرحلة يصعب إنكارها. فمن جهة، هناك كيان معادٍ يعرف كيف يدير مصالحه، يفرض قواعده، ويصوغ سلوكه وفق منطق الدولة “even when we reject its legitimacy”.

ومن جهة أخرى، لبنان الغارق في فوضى سياسية وإدارية، حيث تتآكل المؤسسات، وتُستبدل هيبة الدولة بمنطق الميليشيا، وتتحول القوانين إلى أدوات انتقائية.

المفارقة التي تلامس حد السخرية السوداء أننا نُدين التدخلات الخارجية بلا هوادة، بينما نتكيّف يوميًا مع منظومة داخلية تمارس الإذلال الممنهج بحق مواطنيها. نستنكر انتهاك السيادة، لكننا نقبل بانتهاك الكرامة. نرفع الشعارات الكبرى، ونتجاهل الانهيار الفعلي لمفهوم الدولة.

هنا تحديدًا، لا يمكن اختزال الأزمة في “الآخر”. فجزء أساسي من المشكلة يكمن في هذا القبول الجماعي بحياة دون مستوى الدولة، وكأننا تخلّينا ضمنيًا عن حقنا في وطن حقيقي. الأخطر من العجز هو التعايش معه، وتطبيعه، وتحويله إلى قدر.

إن استعادة الكرامة الوطنية لا تبدأ من بيانات الإدانة ولا من المنابر الدولية، بل من مواجهة الذات. من كسر حلقة النفاق السياسي، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والواجبات، لا الولاءات والمحاصصات.

الدولة لا تُستجدى هيبتها من الخارج، بل تُبنى في الداخل. تُفرض بالعدالة، تُحمى بالمؤسسات، وتُحترم حين تحترم نفسها أولًا.

قبل أن نسأل لماذا لا يحترمنا الآخر، ربما حان الوقت لطرح السؤال الأصعب، هل تصرّفنا يومًا كدولة تستحق هذا الاحترام؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com