في الأرجنتين يُغادر السفير… وفي لبنان يغادر القرار : السيادة تُمارس لا تُعلن

خاص بوابة بيروت

في العلاقات الدولية، لا تُقاس هيبة الدول بخطابات وزرائها، ولا ببياناتها الرسمية، بل بقدرتها على فرض قراراتها على أرضها. هناك، فقط هناك، تُختبر الدولة: هل هي سلطة فعلية أم مجرد فكرة جميلة تُكتب في الدستور وتُنسى في الواقع؟

في 24 مارس 2026، قررت الحكومة اللبنانية، عبر وزير خارجيتها يوسف رجي، إعلان السفير الإيراني في بيروت محمد رضا شيباني شخصًا غير مرغوب فيه، وحددت له مهلة واضحة للمغادرة. قرار سيادي، مكتمل الأركان نظريًا، ويستند إلى أبسط قواعد العمل الدبلوماسي المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، التي تمنح الدولة المضيفة الحق المطلق في طرد أي دبلوماسي دون إبداء الأسباب.

لكن ما حدث لاحقًا لم يكن تطبيقًا للقانون… بل تشريحًا علنيًا لفكرة الدولة نفسها.

المهلة انتهت… والسفير لم يغادر.

القرار صدر… لكنه بقي حبرًا على ورق.

الدولة أعلنت… ثم صمتت.

هنا، لا نتحدث عن “خلاف دبلوماسي”، بل عن مشهد يكاد يكون كاريكاتوريًا، دولة تُصدر قرارًا سياديًا، فيرد عليه الطرف المعني بالتجاهل والتحدي، وكأن القرار موجّه للاستهلاك الإعلامي لا أكثر.

في المقابل، وعلى بعد آلاف الكيلومترات، تُقدّم جمهورية الأرجنتين نموذجًا مختلفًا تمامًا، بل صادمًا في بساطته.

في 2 أبريل، قررت حكومة بوينس آيرس طرد القائم بالأعمال الإيراني محسن سلطاني طهراني، ومنحته مهلة 48 ساعة للمغادرة.

النتيجة؟

غادر.

بهذه البساطة.

بل إن وزير الخارجية الأرجنتيني بابلو كيرنو أعلن رسميًا، قبل انتهاء المهلة، أن الدبلوماسي الإيراني غادر الأراضي الأرجنتينية امتثالًا للقرار.

لا مفاوضات جانبية.

لا تفسيرات.

لا أعذار.

ولا مشهد “السفير الذي لا يغادر”.

وهنا، يصبح السؤال أكثر إيلامًا من الجواب:

لماذا تُحترم قرارات الأرجنتين فورًا، بينما تُعامل قرارات لبنان وكأنها توصيات قابلة للنقاش أو التجاهل؟

الجواب، للأسف، لا يحتاج إلى تحليل معقد.

الدول لا تُحترم لأن نصوصها قوية… بل لأن إرادتها مُطبّقة.

في لبنان، يبدو أن مفهوم “السيادة” قد خضع لإعادة تعريف غير معلنة:

السيادة ليست ما تقرره الدولة… بل ما تسمح به موازين القوى داخلها.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة، بل الساخرة حدّ القسوة:

الدولة اللبنانية قادرة على إصدار قرار طرد… لكنها غير قادرة على تنفيذ طرد.

قادرة على إعلان موقف… لكنها عاجزة عن فرضه.

تملك النص… لكنها تفتقد السلطة.

أي دولة هذه التي تُبلّغ سفيرًا بوجوب المغادرة… فيختار البقاء… ولا يحدث شيء؟ بل ويحدى.

أي هيبة تُترك واقفة على باب السفارة تنتظر إذنًا غير صادر؟

في القانون الدولي، إعلان “شخص غير مرغوب فيه” ليس اقتراحًا، وليس دعوة للحوار، بل إجراء سيادي حاسم يترتب عليه مغادرة فورية.

أما في لبنان، فيبدو أن هذا المفهوم قد تحوّل إلى نوع من “الإشعار الأدبي”، الذي يمكن تجاهله دون تكلفة.

وهنا، لا يعود الخلل في سلوك الدبلوماسي… بل في بنية الدولة التي سمحت لهذا السلوك أن يمر بلا رد.

فالدبلوماسي، في نهاية المطاف، يتصرف وفق ما يُتاح له.

والدولة التي لا تفرض حدودها… لا يجب أن تُفاجأ عندما يتم تجاوزها.

المقارنة مع الأرجنتين ليست لإبراز تفوق دولة على أخرى، بل لكشف حقيقة بسيطة:

السيادة ليست شعارًا… بل ممارسة.

ومن لا يمارسها… يفقدها، حتى لو كتبها ألف مرة في دستوره.

لبنان، بهذا المشهد، لا يبدو كدولة تُنتهك سيادتها فحسب… بل كدولة تفاوض على معنى السيادة نفسه.

دولة تُصدر قراراتها إلى الخارج… لكنها لا تملك مفاتيح تنفيذها في الداخل.

وهنا، تتحول السخرية إلى حقيقة سياسية:

الدولة اللبنانية لم تُهَن بقرار دبلوماسي… بل بقدرتها على عدم تنفيذ قرارها.

وفي الختام، ليست المشكلة أن سفيرًا لم يغادر…

المشكلة أن دولةً بأكملها لم تستطع أن تجعله يغادر.

المشكلة أن القرار في لبنان لم يعد سلطة تُنفَّذ، بل ورقة تُعلَّق، وأن هيبة الدولة لم تُكسر بواقعة دبلوماسية، بل سقطت يوم أصبح تنفيذ القانون انتقائيًا، خاضعًا لمن يملك القوة لا لمن يملك الحق.

هنا، لا يعود السؤال لماذا لم يغادر السفير، بل لماذا لم تعد الدولة قادرة أصلًا على فرض أي مغادرة… لأي أحد.

في هذا المشهد المقلوب، يتحرك القضاء بسرعة مريبة عندما يتعلق الأمر بالأحرار وأصحاب الرأي، بينما يُصاب بالعمى حين يتعلق الأمر بالقوى المسلحة التي تمسك فعليًا بمفاصل القرار. تُفتح الملفات حيث لا يجب أن تُفتح، وتُغلق حيث يجب أن تُفتح على مصراعيها. تُلاحق الكلمات… وتُحمى الصواريخ.

أي منطق هذا الذي يسمح بخروج متورطين في نقل صواريخ وجرّ البلاد إلى الدمار بكفالات هزيلة لا تتجاوز عشرات الدولارات، بينما يبقى مئات المظلومين خلف القضبان بلا كفالة ولا إنصاف؟

أي عدالة هذه التي تُجزّأ على قياس النفوذ، فتكون قاسية على الضعفاء… ومرنة إلى حد التلاشي أمام الأقوياء؟

ثم، أي دولة تلك التي تُصدر قرارات رسمية بمنع إجراءات أمنية معينة—كـ“وثائق الاتصال”—فتبقى الأجهزة نفسها تعمل بها وكأن شيئًا لم يكن؟

أي دولة تمنح تراخيص سلاح ومواكبة لعناصر وقادة مجموعات مسلحة، بينهم مطلوبون للقضاء بتهم إرهاب، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون هذه الأجهزة نفسها حامية للقانون لا شريكة في تجاوزه؟

هنا، لا يعود الانتهاك استثناء… بل يصبح نظامًا.

ولا تعود الفوضى خللًا… بل تتحول إلى قاعدة حكم.

لبنان اليوم ليس أمام أزمة قرار… بل أمام انهيار معنى القرار.

ليس أمام ضعف تنفيذ… بل أمام غياب الإرادة في التنفيذ.

ولهذا، فإن بقاء السفير ليس الفضيحة الحقيقية… الفضيحة أن الدولة التي طلبت منه المغادرة، لم تعد تملك القدرة—أو ربما الجرأة—على أن تجعل أحدًا يلتزم بأي قرار تصدره.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com