راجعة بإذن الله…

الافتتاحية بقلم د. ميشال الشمّاعي – خاص بوابة بيروت

نعيش في زمن لا نستطيع مواكبة سرعة الأحداث فيه، ولا سيّما تلك المرتبطة بالملفّ التفاوضي. حيث يبدو التلاعب الديبلوماسي عبر الإعلان سيّد الساحات. فلا يستطيع أحد التأكيد على ما ستؤول إليه المسارات التفاوضيّة في العالم. لكن ممّا يبدو حتّى الساعة أنّ المسار المحكوم بالتداعيات الاقتصاديّة النّاجمة يزداد تعقيدًا في هذه االأثناء.

لعبة الرّموز والإيحاءات من تل أبيب إلى الإليزيه

بدت لافتة أمس تغريدة للناطق الرسمي باللغة العربيّة للجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي الذي رسم الرّقم 78 بالعلم الإسرائيلي، ليعود ويستتبعها بعد نصف ساعة تقريبًا بتدوينة ثانية على حسابه في موقع “X” بنصّ مكتوب يتحدّث فيه عن أمجاد إسرائيل في هذه الـ78 سنة من عمرها مرفقًا نصّه بصورة طائرات مقاتلة.

ليس تاويلًا، لكن ما من أحد يشكّ بقدرة الاسرائيلي على تمرير الرّسائل المشفّرة، حيث يعيد الرقم 78 إلى الأذهان اجتياح العام 1978 الذي عرف بعمليّة الليطاني، عندما سيطرت فيه إسرائيل على المنطقة الواقعة جنوبي النّهر. ثمّ عادت وانسحبت بعد صدور القرار 425 لتحتفظ لنفسها بشريط من القرى الحدودية قُدّرت مساحتح بحوالي “700 – 850” كلم². وامتدّت المنطقة بمحاذاة الحدود مع إسرائيل بعمق يتراوح غالبًا بين “10 و 20” كلم داخل الأراضي اللبنانية.

والشريط الأصفر اليوم يبدأ من البيّاضة مرورًا بمزارع شبعا وصولا إلى تلال جبل الشيخ. عمليًّا تبدو مساحة هذه المنطقة أكبر، ولكن تختلف في العمق الذي وصل إليه الاسرائيلي. فيما الرقم الـ78 يؤكّد بأنّه عازم على جعل النهر هو الحدّ الفاصل. ومن يعلم إذ قد يكون ذلك بالحدّ الأدنى !

فيما اعتبر دولة الرئيس نواف سلام بعد لقاء ماكرون أنّ الاستقرار مرهون بانسحاب إسرائيل. ورأى أنّ المفاوضات شاقّة. بينما شدّد ماكرون على وقوف فرنسا إلى جانب لبنان في المرحلة المقبلة.

ديبلوماسيّة الغموض

بدت لافتة الدّعوات التي تمّ تدواولها على شبكات التواصل الاجتماعي بدعوة سكّان الضاحية والجنوب في البقاء في أماكن الإيواء الآمنة كنذير تشاؤم، ولا سيّما بعد التسريبات حول أجواء مفاوضات إسلام أباد السلبيّة. ما يعني أنّها “راجعة بإذن الله إذا ما إجا شي من الله”.

وما يؤكّد ذلك اكثر التعثّر الواضح في المسار الأميركي الذي بدا من خلال تصريحات مستشار رئيس البرلمان الإيراني الذي اعتبر تمديد ترامب لوقف إطلاق النّار مناورة لكسب الوقت تمهيدًا لهجوم مباغت. ودعا هذا الأخير إيران إلى المبادرة بالهجوم. هذه المعطيات كلّها تؤشّر إلى عدم نضج التسويات في المنطقة، بغض النّظر عن حسن النّوايا. ويبدو أنّ تمديد الهدنة من قبل الرئيس ترامب خفّف من حدّة احتملات تجدد الحرب إن قرأنا هذا الطلب باللغة الديبلوماسيّة.

لكن عسكريًّا، لا تقرأ هذه الأحداث إلّا من ضمن مناورة واسعة تمتدّ من تلّ أبيب إلى واشنطن. فالإنذار المشفّر إلى لبنان تمّ إرساله، والعبرة في فهمه. كما أنّ التهرّب الإيراني من الذهاب إلى إسلام أباد أجاب عليه ترامب بتحويله طاولة المفاوضات إلى طاولة الاستسلامات بالجملة من طهران إلى بيروت فبغداد وصنعاء.

ليطاني² “Pro Max”

في المحصّلة من علامات فشل أربعاء إسلام آباد إلى علامات غموض طاولة الخميس في واشنطن التي تبدو حتّى الساعة غير دسمة. فانعقاد اللقاء بين السفراء قد يمهّد إلى تمديد لوقف إطلاق النّار، لكنّه بدا كعمليّة سباق مع الاسرائيلي قبل نجاحه بإسقاطه على وقع الخروقات المتبادلة من الطرفين.

وما بين تفاوض عون المباشر وتفاوض برّي غير المباشر قد تضيع الفرصة من جديد. وحذارِ أن ندخل في عمليّة ليطاني² ولكن من الواضح أنّها ستكون هذه المرّة “Pro Max” إن حصلت. لكن “ما في رملة بهالصحرا بتُحرُك إلا بوحي من الله”.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك