بينَ #الطائفِ و #الهدنةِ… هل حانت لحظةُ استعادةِ الدولةِ؟

بقلم بنت الجبل – خاص بوابة بيروت

لا يعودُ اتفاقُ الطائفِ إلى الواجهةِ عبثًا. كلَّما ضاقَ الخناقُ على منطقِ السلاحِ، يعودُ اسمُ الطائفِ كأنَّه النصُّ الذي كُتبَ لإنهاءِ الحربِ، ثم جرى تعطيلُه عمدًا كلَّما اقتربت ساعةُ تطبيقِه الفعليةِ.

اليومَ، مع عودةِ الحديثِ السعوديِّ والدوليِّ عن الطائفِ الكاملِ لا الطائفِ الانتقائيِّ، لم يعدِ النقاشُ مجردَ استحضارٍ لاتفاقٍ من الماضي، بل مواجهةً مباشرةً مع أصلِ الأزمةِ اللبنانيةِ: هل يبقى لبنانُ دولةً معلَّقةً بين هدنةٍ مؤقتةٍ وسلاحٍ دائمٍ، أم يستعيدُ أخيرًا قرارَه وسيادتَه؟

اتفاقُ الطائفِ، الذي وُقِّع عامَ 1989 لوقفِ الحربِ الأهليةِ، لم يكن مجردَ تسويةٍ لتوزيعِ الصلاحياتِ بين الرئاساتِ أو إعادةِ ترتيبِ التوازناتِ الطائفيةِ. جوهرُه الحقيقيُّ كان أوضحَ من كلِّ ما تلاه: حلُّ الميليشياتِ، بسطُ سلطةِ الدولةِ على كاملِ أراضيها، وحصرُ السلاحِ وقرارِ الحربِ والسلمِ بيدِ الشرعيةِ وحدَها.

لكنَّ ما حصلَ منذ ذلك الحينَ كان العكسَ تمامًا. طُبِّقتِ المحاصصةُ، ودُفنَ البندُ السياديُّ. توزَّعتِ الحصصُ، وبقي السلاحُ. أُعيدَ تشكيلُ النظامِ، ولم تُستعدِ الجمهوريةُ.

ومن هنا بدأ الانهيارُ البطيءُ، دولةٌ على الورقِ، ودويلاتٌ في الواقعِ.

رفيقُ الحريري فهم باكرًا أن لا إعمارَ حقيقيًّا، ولا اقتصادَ، ولا استقرارَ، ولا عودةً عربيةً ودوليةً للبنانَ، في ظلِّ سلاحٍ يعلو فوق الدولةِ. وقد دفع حياتَه ثمنًا لمشروعِ لبنانَ الذي أراد أن يكونَ دولةً طبيعيةً، لا ساحةً مفتوحةً لحروبِ الآخرينَ، ولا رهينةَ قرارٍ يتجاوزُ مؤسساتِه. اغتيالُه لم يكن فقط اغتيالَ رجلِ دولةٍ، بل اغتيالَ فرصةٍ كبرى لولادةِ لبنانَ جديدٍ.

واليومَ، المشهدُ يعودُ بشكلٍ أكثرَ تعقيدًا. لكنَّ الزمنَ تغيَّرَ. الإقليمُ تغيَّرَ. ومعادلاتُ المنطقةِ تغيَّرت. وما كان يُدارُ بالتسوياتِ الرماديةِ لم يعد قابلًا للاستمرارِ إلى ما لا نهايةَ.

الحديثُ لم يعد فقط عن وقفِ نارٍ أو هدنةٍ قابلةٍ للتمديدِ. بل عن احتمالِ انتقالِ المنطقةِ إلى مرحلةٍ مختلفةٍ بالكاملِ، قد تشملُ ترتيباتٍ أمنيةً وسياسيةً أوسعَ، وربما مساراتِ تطبيعٍ أو تفاهماتٍ كانت حتى الأمسِ من المحرَّماتِ. وفي قلبِ هذا التحوُّلِ، يقفُ لبنانُ أمام سؤالٍ مصيريٍّ: هل يكونُ حاضرًا كدولةٍ، أم يُؤخذُ إليه كأرضٍ مستباحةٍ بقرارِ غيرِه؟

وهنا تحديدًا تبدأُ العقدةُ.

لأنَّ أيَّ بحثٍ جديٍّ في تطبيقِ الطائفِ، أو في تثبيتِ الهدنةِ، أو في منعِ الانزلاقِ إلى حربٍ جديدةٍ، لا يمكنُ أن يتجاوزَ ملفَّ السلاحِ خارجَ الدولةِ. لكنَّ هذا الملفَّ لا يقتصرُ على سلاحِ “حزب الله” وحدَه، رغمَ أنَّه يبقى العنوانَ الأكبرَ والأثقلَ والأكثرَ ارتباطًا بقرارِ الحربِ والسلمِ.

فالمشهدُ اللبنانيُّ اليومَ لا يحتملُ الإنكارَ، هناك أيضًا مجموعاتٌ مسلحةٌ أو أذرعٌ أمنيةٌ أو ظواهرُ تسلُّحٍ خارجَ الشرعيةِ لدى أطرافٍ أخرى، من “قوات الفجر” التابعةِ للجماعةِ الإسلاميةِ، إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ متشددةٍ ظهرت في السنواتِ الأخيرةِ مثل “جنود الرب”، مرورًا بما يُثارُ دوريًّا حول بيئاتٍ حزبيةٍ أو دينيةٍ أو مناطقيةٍ تحتفظُ بسلاحٍ أو ببنيةِ تعبئةٍ أمنيةٍ تحت عناوينِ الحمايةِ الذاتيةِ أو الخصوصيةِ أو الردعِ. وقد برزت أيضًا أسماءٌ مثل الأحباشِ في سياقاتِ اشتباكاتٍ سابقةٍ واتّهاماتٍ متكررةٍ بوجودِ قدرةٍ مسلحةٍ أو شبكاتِ تعبئةٍ تتجاوزُ العملَ الدعويَّ الصرفَ.

صحيحٌ أنَّ الأحجامَ تختلفُ. وصحيحٌ أنَّ التأثيرَ ليس واحدًا. وصحيحٌ أنَّ الخطرَ الأكبرَ يبقى في السلاحِ الذي يمتلكُ قدرةً استراتيجيةً على تعطيلِ الدولةِ وجرِّ البلدِ إلى الحربِ. لكنَّ مَن يريدُ دولةً فعليةً لا يمكنُه أن يقعَ في انتقائيةٍ مريحةٍ. المبدأُ واحدٌ: لا سلاحَ خارجَ الشرعيةِ، ولا بنادقَ موزعةً على الطوائفِ، ولا جيوشَ صغيرةً تحت مسمياتٍ حزبيةٍ أو عقائديةٍ أو مناطقيةٍ.

المصداقيةُ هنا تبدأُ من هذه النقطةِ تحديدًا. لأنَّ اللبنانيينَ تعبوا من خطابٍ يهاجمُ سلاحًا ويغضُّ النظرَ عن سلاحٍ آخرَ. وتعبوا أكثرَ من ازدواجيةٍ تُنتجُ اعتراضًا سياسيًّا لا مشروعَ دولةٍ.

أما الأخطرُ، فهو أنَّ البلادَ تبدو اليومَ وكأنها على حافةِ اختبارٍ خطيرٍ بين طرفينِ متقابلينِ، من جهةٍ، هناك مَن يرفضُ أيَّ مسارٍ فعليٍّ لنزعِ السلاحِ أو وضعِه تحت سلطةِ الدولةِ، ويريدُ إبقاءَ القرارِ العسكريِّ والسياديِّ خارجَ المؤسساتِ، ولو تحت الضغطِ أو التهديدِ أو فرضِ الأمرِ الواقعِ.

ومن جهةٍ ثانيةٍ، هناك مَن قد يندفعُ نحو فرضِ ترتيباتٍ كبرى في ملفِّ الهدنةِ أو السلامِ أو التفاهماتِ الإقليميةِ من فوقِ رأسِ الدولةِ اللبنانيةِ، وكأنَّ لبنانَ مجردُ تفصيلٍ على طاولةِ الآخرينَ.

وهنا تصبحُ بعبدا أكثرَ من مجردِ قصرٍ رئاسيٍّ. تصبحُ رمزًا للموقعِ الذي يُرادُ تطويقُه من الجهتينِ، إمَّا بضغطِ السلاحِ من الداخلِ، وإمَّا بضغطِ التسوياتِ من الخارجِ.

فالخطرُ ليس فقط أن يُهدَّدَ رئيسُ الجمهوريةِ أو رئيسُ الحكومةِ حين يقتربانِ من استعادةِ القرارِ السياديِّ. الخطرُ أيضًا أن تُفرَضَ على لبنانَ معادلاتٌ كبرى، من الهدنةِ إلى أيِّ تفاهمٍ أوسعَ مع “إسرائيل”، من دونِ أن تكونَ السلطةُ اللبنانيةُ هي صاحبةَ القرارِ الأولِ والأخيرِ.

ولهذا، فإنَّ السؤالَ اليومَ ليس، هل نسيرُ نحو الهدنةِ؟ أو هل نعودُ إلى الطائفِ؟

السؤالُ الحقيقيُّ هو، هل تملكُ الدولةُ اللبنانيةُ، برئاسةِ جوزاف عون وحكومةِ نواف سلام، القدرةَ والإرادةَ لتكونَ هي صاحبةَ القرارِ؟ أم سنبقى أمام مشهدٍ واحدٍ يتكررُ بأشكالٍ مختلفةٍ: سلاحٌ يضغطُ من الداخلِ، وتفاهماتٌ تضغطُ من الخارجِ، ودولةٌ تُتركُ في المنتصفِ كأنها شاهدٌ لا شريكٌ.

الحقيقةُ أنَّ الهدنةَ وحدَها لا تكفي. أيُّ تهدئةٍ لا تُنتجُ استعادةً للدولةِ ستبقى مجردَ استراحةٍ بين جولةٍ وجولةٍ. وأيُّ سلامٍ أو تفاهمٍ لا يمرُّ عبر المؤسساتِ اللبنانيةِ الشرعيةِ لن يكونَ خلاصًا، بل نسخةً جديدةً من الوصايةِ. أما الطائفُ، إذا طُبِّق فعلًا، فهو ليس مجردَ اتفاقٍ قديمٍ، بل خريطةُ الإنقاذِ المؤجلةِ منذ 35 عامًا.

لكنَّ نزعَ السلاحِ، إذا كان جديًّا، لا يمكنُ أن يكونَ شعارًا انفعاليًّا أو مشروعَ انتقامٍ. يجبُ أن يكونَ خطةً سلميةً، تدريجيةً، متوازنةً، شاملةً لكلِّ الفصائلِ والتياراتِ والبيئاتِ المسلحةِ خارجَ الدولةِ، تحت سقفِ الجيشِ اللبنانيِّ وضماناتٍ عربيةٍ ودوليةٍ واضحةٍ.

لا بالفوضى. لا بكسرِ البلدِ. لا بحربٍ أهليةٍ جديدةٍ.

بل بقرارٍ وطنيٍّ يحمي الجميعَ، ويُنهي زمنَ استخدامِ الجميعِ.

لبنانُ لا يحتاجُ اليومَ مزيدًا من الخطاباتِ. لا “مقاومةً” تُستخدمُ لحمايةِ سلاحٍ دائمٍ. ولا “سيادةً” تُستخدمُ للمزايدةِ الانتقائيةِ. ولا “هدنةً” تُخدِّرُ الناسَ ثم تعودُ النارُ بعدها من الشباكِ.

لبنانُ يحتاجُ شيئًا واحدًا فقط، أن تعودَ السلطةُ اللبنانيةُ هي السلطةَ. أن يعودَ القرارُ اللبنانيُّ إلى بيروتَ لا إلى العواصمِ. أن يعودَ السلاحُ إلى كنفِ الدولةِ لا إلى مزاجِ الفصائلِ. أن يعودَ مجدُ لبنانَ من بوابةِ الجمهوريةِ، لا من بوابةِ الدويلاتِ.

والحقيقةُ التي تضيقُ حولَ الجميعِ، مهما حاولوا تأجيلَها، هي هذه:

الطائفُ لم يسقطْ، بل مُنِعَ من الحياةِ. ورفيقُ الحريري لم يُستهدفْ لأنَّه أخطأ، بل لأنَّه اقتربَ باكرًا من معركةِ الدولةِ.

واليومَ، لم يعدِ السؤالُ، هل آن أوانُ نزعِ السلاحِ؟ بل، هل يملكُ لبنانُ الشجاعةَ ليبقى؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك