نزوح أم تهجير أم… اقتلاع

بقلم تريزيا راشد – خاص بوابة بيروت

إنّ فهم الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه لبنان يحتاج إلى فهم علم الجيوبوليتيك، أي العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والقوة. فالدول لا تتحرك فقط بحسب أفكارها السياسية، بل أيضاً بحسب موقعها الجغرافي ومصالحها الأمنية والاقتصادية.

لذلك تعتبر الجيوبوليتيك أنّ تصرفات الدول ترتبط دائمًا بهدفين أساسيين، البقاء والازدهار.

منذ قيام إسرائيل، اعتبرت أنّ أمنها القومي يعتمد على منع أي خطر قريب من حدودها، خاصة في جنوب لبنان.

فلبنان بالنسبة إليها ليس مجرد دولة مجاورة، بل منطقة مهمة استراتيجيًّا بسبب قربها من فلسطين المحتلة، ووجود البحر المتوسط، وحقول الغاز، إضافة إلى موقع لبنان ضمن الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط.

لهذا السبب تعتمد إسرائيل استراتيجية تقوم على إبعاد التهديد عن حدودها الشمالية، ومنع أي قوة عسكرية في لبنان من امتلاك قدرة تهددها.

كما تسعى إلى إنشاء نوع من الحزام الأمني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لحماية أمنها الداخلي.

ومن هنا نفهم لماذا تركز إسرائيل دائمًا على جنوب لبنان، لأنّه يشكل بالنسبة إليها خط الدفاع الأقرب.

كذلك ترى إسرائيل أنّ لبنان مرتبط بمحور إقليمي يمتد من إيران إلى سوريا، لذلك تحاول منع هذا المحور من التوسع أو تعزيز نفوذه.

فالصراع اليوم لم يعد فقط صراع حدود، بل أصبح صراع نفوذ وطاقة وممرات بحرية وطرق نقل الغاز والنفط.

ولهذا السبب أصبحت منطقة شرق المتوسط والبحر الأسود والقوقاز من أهم مناطق الصراع في العالم.

ومن ناحية أخرى، تعتمد الحروب الحديثة على وسائل متعددة، وليس فقط على القوة العسكرية التقليدية.

فإلى جانب الحرب العسكرية، هناك حرب اقتصادية وإعلامية ونفسية وديمغرافية.

لذلك أصبح السكان المدنيون جزءًا من الصراع، لأنّ السيطرة على الأرض ترتبط أيضًا بمن يعيش فيها.

أما بالنسبة إلى ما يحدث للبنانيين في الجنوب، فهناك فرق بين النزوح والتهجير والتغيير الديمغرافي.

فالنزوح يعني انتقال السكان بشكل مؤقت بسبب الحرب مع نية العودة لاحقًا. أما التهجير فهو دفع الناس إلى مغادرة مناطقهم بسبب الخوف أو القصف أو انعدام الأمان، بحيث تصبح العودة صعبة.

بينما التغيير الديمغرافي يعني تغيير التركيبة السكانية لمنطقة معينة على المدى الطويل.

ويمكن القول إنّ ما يحدث في لبنان بدأ كنزوح بسبب الحرب، لكن عندما يستمر القصف والدمار وتصبح العودة صعبة، فإنّ الأمر يقترب من التهجير غير المباشر.

وإذا استمر الوضع لفترة طويلة وأدى إلى إفراغ مناطق كاملة من سكانها، فقد يتحول إلى عملية اقتلاع ديمغرافي.

وفي النهاية، نرى أنّ الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه لبنان ترتبط بتحقيق أمنها القومي ومنع أي تهديد قريب من حدودها، بينما يتحول المدنيون أحيانًا إلى جزء من الصراع الجيوبوليتيكي.

لذلك لم تعد الحروب الحديثة فقط حروب جيوش، بل أصبحت أيضًا حروب سكان واقتصاد، فضلًا عن الطاقة والجغرافيا والتوازنات الإقليمية.

فهل ستبقى صورة لبنان كما هي بعد عملية الاقتلاع الديمغرافي هذه ؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك