
مدير التحرير
#لبنان على حافة الانفجار
–
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
يقف لبنان على حافة الانفجار بسبب ملف العفو. هذا الملف الخلافي ليس قانونيًا أو قضائيًا فحسب، إنما سياسيّ، لأن العدالة الانتقالية ليست عدالة، بل هي استمرار للحرب بطريقة أخرى.
فهل يستطيع لبنان، وهو على باب التفاوض مع الإسرائيلي، أن يتخطّى عقبة الزلزال الداخلي، عساه يتجنّب الزلزال الخارجي؟
بين تهمة التكفير وتهمة العمالة
مما لا شك فيه أن قضية العفو ليست قضية قانونية، بل هي قضية سياسية بامتياز، لأن الشارع السنّي لا يزال يعيش منذ سنوات تحت شبهة التكفير، بينما تُلقى تهمة العمالة المفبركة على الشارع المسيحي في ملف المبعدين إلى إسرائيل، حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أن غالبية الذين ارتبطوا بجيش لحد وغادروا إلى إسرائيل، لم يكونوا من المسيحيين حصرًا، بل إن نسبة كبيرة منهم هي من الشيعة الذين يعيشون في القرى الحدودية.
هذه القرى التي، وبسبب سياسة حزب الله، وبعد تهجير أكثر من 3000 مواطن من أبنائها، يعود اليوم، بقرار استراتيجي خاطئ، ليهدي للإسرائيلي هذه فرصة جرفها واقتلاعها من الجغرافيا الوطنية.
السرديات الجاهزة وانهيار الدولة
وبما أننا في بلد يعتمد على السرديات الجاهزة، فعلى السنّي في لبنان أن يبقى متّهمًا بالتطرّف، والمسيحي بالعمالة، فيما الدولة تنهار نتيجة لحكمها من قبل الفريق الشيعي خلال هذه العقود الأربعة.
مع العلم أن حزب الله نجح بتحويل الذاكرة الشيعية الجماعية، حيث باتت تعتبر قاطبةً أن “جيش العملاء” هو من المسيحيين، فيما أثبتت التوقيفات الأمنية التي جرت طوال هذه السنوات أن بيئة حزب الله بحد ذاتها هي بيئة مُثقلة ومثخنة بالعمالة، التي أدّت إلى اغتيال رمز حزب الله، أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله.
العفو بين العدالة والاشتباك المذهبي
في ملف العفو، يبحث اللبنانيون عن عدالة لأنهم يعرفون الحقيقة، فيما الذين يدينون بالولاء لغير لبنان يريدون أن يطبّقوا عدالتهم الخاصة من خلال أدواتهم في الدولة العميقة.
هذا ما أدّى إلى تحوّل قانون العفو إلى مادة دسمة للاشتباك المذهبي، عوض أن يكون مادة لتنظيف وتنقية الذاكرة الجماعية، عملًا بالمبدأ الذي ينصّ على أن البراءة الجماعية لا تبني دولًا، ولكن بالمقابل لا يمكن أن نحكم الدول بالأحقاد المؤجّلة.
ففي أي لحظة، قد يتفجّر الوضع الأمني، ولا سيّما أن البيئة الشيعية باتت بمعظمها داخل البيئات الأخرى نتيجة لعملية الاختلاط الديمغرافي التي سبّبتها هذه البيئة لنفسها بالأعتادلءات الإسرائيلية، حيث بات معظم الشيعة يقطنون في المناطق المسيحية والسنّية، وهذا ما يخلق بحد ذاته ديناميات جديدة كنّا بالأساس في غنى عنها.
حزام البؤس حول بيروت
وهذا ما يتجسّد في المخيم الذي أُقيم في واجهة بيروت البحرية، حيث لا يخفي أحد مخاوفه من تحوّله إلى “صبرا وشاتيلا بروماكس” أو “نهر بارد جديد”، ما سيؤدي إلى زيادة حزام البؤس حول العاصمة بيروت، وفي هذا المكان بالتحديد، حول المقرّات الأمنية والسياسية، من مجلس النواب إلى السرايا الحكومي وبعض الوزارات. وهكذا يكون حزب الله قد أطبق على الدولة من باب جديد.
الدولة العميقة وسلاح حزب الله
لقد زاد قانون العفو الطين بلّة، حيث زاد الشرخ بين مكوّنات الوطن اللبناني والدولة، ولكن ليس أي دولة، بل هي “دولة منظمة الله العميقة”.
وهذا ما يؤكّد مرة جديدة ضرورة إسقاط هذه الدولة بالضربة القاضية، وذلك لن يتحقّق إلا بتطبيق قرارات الحكومة اللبنانية، عملًا بخطاب القسم لرئيس الجمهورية، أي بنزع سلاح منظمة حزب الله.
ولعلّ هذا ما يعمل عليه الأميركي، من خلال ما تمّ تسريبه عن تشكيل لواء عسكري يضطلع فقط بهذه المهمة، ولعلّ هذا ما يفسّر وجود وفد عسكري لبناني من أرفع الجنرالات في الجيش اللبناني والقوى الأمنية يلتقي مع المسؤولين الأميركيين، ويفاوض وفدًا عسكريًا إسرائيليًا بهدف التوصّل إلى خلاصة بهذا الموضوع.
فلن تستقيم الأمور في لبنان إلا بعودة الدولة إلى الدولة.
سباق مع الوقت
عمليًا، نحن في سباق مع الوقت، لأن الإسرائيلي يعاني من أزمة داخلية مع المطالبة بإجراء الانتخابات قبل موعدها على وقع الخلافات في الكنيست، ما يهدّد الحكومة بالسقوط. كذلك، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه أزمة مع الكونغرس الأميركي الذي يريد أن يحدّ من صلاحياته.
أمام هذه الوقائع، لا يمكن الاستمرار في غرفة الانتظار ريثما يمرّ القطار، لأنه في نهاية المطاف سينتهي النهار ويحلّ الليل، وفي الليل يسقط الظلام، وفي الظلام تُحاك المؤامرات، وتتغيّر الحدود، وتتغيّر الرئاسات، وتتبدّل الحكومات، وتصبح الأوطان على أشكال جديدة خدمةً للدول العظمى التي لا تبحث عن ولاءات، بل تبحث عن مصالح.
فهل من يُدرك في لبنان اليوم أهمية ما يحصل، ليعفو عن الدولة من سجنها الممتدّ لأكثر من أربعة عقود؟
وهل من يجرؤ على الاعتراف بأن إسقاط الدولة اللبنانية من البوابة الاقتصادية سيؤدي إلى محوها عن الوجود برمّته؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير