
مدير التحرير
لماذا ومتى وكيف؟
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DrMichelCHAMMAI
مما لا شكّ فيه أنّ بنية سياسية كاملة بدأت تتشكّل أمام أعين اللبنانيين: عقوبات أميركية على شخصيات مرتبطة بحزب الله وحركة أمل على السواء، اشتباك داخلي حول العفو العام، توتر دستوري بين المؤسسات، ورسائل أمنية تُرسل إلى بيروت قبل أي تفاوض إقليمي أكبر. هل ستستطيع بيروت أن تسبق تل أبيب؟ أم أنّ السبت قد عدّى وانتهى؟
لماذا سيولد لبنان الجديد؟
لا تقرأ هذه الوقائع كأنها “أزمة داخلية لبنانية”، لأنّ الحقيقة هي أن لبنان لم يعد يُدار بوصفه دولة مستقلة القرار، بل بوصفه “منطقة اختبار” للشرق الأوسط الجديد بعد الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية. وهنا تحديدًا تبدأ القراءة التي لا يريد كثيرون قولها بصوت مرتفع.
العقوبات الأميركية الأخيرة ليست عقوبات تقنية. وطبعًا ليست تفصيلًا ماليًا. والمؤكّد أنّها ليست مجرد ضغط على حزب الله.
إنها تبرير رسمي بأن واشنطن انتقلت من مرحلة “احتواء نفوذ الحزب” وحلفائه إلى مرحلة “تفكيك البيئة الحامية له داخل مؤسسات الدولة اللبنانية”.
كيف سيولد لبنان الجديد؟
الاستهداف لم يعد عسكريًا فقط، بل بنيويًا: نواب، ضباط، شبكات حماية، وممرات شرعية داخل الإدارة. وهذا تطور بالغ الخطورة، لأن الولايات المتحدة تقول للبنان عمليًا: “لم نعد نفرّق بين السلاح والغطاء الذي يحمي السلاح فالكلّ بالنسبة إلينا سواسية”. وهذا مؤشر جديد إلى أن قرار تفكيك الدولة العميقة قد بدأ تنفيذه. وهذا ما سيفضي إلى شكل جديد لدولة لبنان لمواكبة المرحلة.
وهنا المفارقة التي يغفل عنها كثيرون، كلما ارتفع خطاب السيادة في بيروت، تراجعت السيادة الفعلية على الأرض.
فالبلد اليوم يعيش أخطر أنواع الاحتلال غير المعلن: احتلال توازنات الخوف…
الخوف السنّي من التهميش.
الخوف الشيعي من نزع القوة.
الخوف المسيحي من الذوبان الديموغرافي والسياسي.
والخوف الدرزي من التحولات الإقليمية الكبرى.
ولعلّ هذا ما يجب أن يدفع هذه المكونات الأربعة، بعد استعادة الدولة من الدويلة، البحث في صيغة اتّحادية – حيادية لاستيلاد الوطن الذي يكون قابلا للحياة. لهذا يبدو ملف العفو العام أخطر بكثير مما يُقال إعلاميًا. إنه ليس ملفًا قضائيًا، بل محاولة لإعادة توزيع “البراءة الجماعية” بين الطوائف اللبنانية. فكل طائفة تريد أن تُبيّض ذاكرتها الخاصة قبل الدخول في الشرق الأوسط المقبل.
مخاض الولادة الجديدة
ومن هنا نفهم التشنج الهائل الذي ظهر في السجال حول الموقوفين الإسلاميين.
فالاعتراض الحقيقي ليس قانونيًا، بل وجودي: من يملك حق تعريف “الإرهاب” أو ” العمالة” في لبنان الجديد؟ وهل يصبح السلاح غير الشرعي جريمة عندما يكون خارج ميزان القوى فقط؟
عمليًّا لقد دخل لبنان في مرحلة خطيرة جدًا؛ مرحلة سقوط المعايير الواحدة في دولة الدولة العميقة للدولة المركزية. أي أن العدالة لم تعد عدالة، بل انعكاسًا لموقع كل فريق داخل النظام الإقليمي.
والأخطر من ذلك كلّه، أن بيروت بدأت تفقد تدريجيًا وظيفتها التقليدية كمساحة تسويات. حيث كان لبنان يُستخدم لإنتاج الحلول، أصبح اليوم يُستخدم لقياس الأحجام قبل الحلول. والحجم الأول الذي يتم قياسه هو حجم النفوذ الغربي في الشرق انطلاقًا من بوابة بيروت.
تبدّل المقاربات محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا
حتى إسرائيل تغيّرت مقاربتها. فهي لم تعد تريد حربًا شاملة بالمعنى الكلاسيكي، بل استنزافًا طويلًا يجعل البيئة اللبنانية نفسها تطالب بتغيير قواعد الاشتباك مع حزب الله.
وهذه استراتيجية أخطر بكثير من الحرب المباشر.ة، لأنها تنقل الانفجار من الحدود إلى الداخل الاجتماعي اللبناني نفسه؛ ولقد استعملت لذلك القوة المفرطة، ولا تمانع في زيادتها أكثر فأكثر حتى تحقيق أهدافها بالكامل.
أما إيران، فهي تدرك أن لبنان لم يعد الجبهة الذهبية التي كان عليها بعد 2006. بل أضحى عبئًا تفاوضيًا مكلفًا، عوض أن يكون الأضحية الثمينة التي تقدّم على مذبح التفاوض.
ولهذا نلاحظ أن الخطاب الإيراني بات أقل عاطفية وأكثر براغماتية، عسى أن تستطيع المحافظة على النفوذ بأقل كلفة ممكنة.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تعيش آخر مراحل “الإنكار الرسمي”. الجميع يتصرف كأن المؤسسات ما زالت تعمل، فيما الحقيقة أن القرار الفعلي بات موزعًا بين الخارج والأمن والاقتصاد والطوائف.
وهنا أخطر ما في المرحلة المقبلة. فلبنان لن يسقط بانقلاب أو بحرب أهلية كلاسيكية. بل سيسقط بالتآكل البطيء للدولة حتى يصبح وجودها شكليًا فقط. أي أننا أمام نموذج يشبه جمهوريات ما بعد الانهيار في العالم الثالث:
دولة موجودة على الورق، لكنها عاجزة عن احتكار السلاح، أو القضاء، أو الاقتصاد، أو حتى الرواية الوطنية نفسها.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستندلع الحرب؟ بل: هل بقي هناك شيء اسمه “السلم اللبناني” أصلًا؟
ولا يخطئنّ احد بدمج مفهومي السلم الأهلي والسلم اللبناني. لأن ما نشهده ليس أزمة عابرة، بل إعادة كتابة لوظيفة لبنان في الشرق الأوسط. ومن لا يفهم ذلك الآن، سيكتشف بعد سنوات أن نشرات الأخبار والاستشرافات السياسية التي بدت يومية وعادية، كانت في الحقيقة محاضر غير معلنة لولادة لبنان الجديد. ليبقى أن الإشكالية التي تطرح هي: هل نستحقّ لبنان الجديد؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير